شرح نواقض الاسلام للشيخ سليمان بن ناصر العلوان فك

  • تاريخ النشر : 2013-04-25
  • المصدر : منتدى المنبر الاعلامي الجهادي

1854

عدد الزيارات :


الناقض الأول من نواقض الإسلام

قال -رحمه الله-: ((الأول: الشرك في عبادة الله: قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)( )، (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ(72))( )، ومنه الذبح لغير الله، كمن يذبح للجن أو للقبر)).
ابتدأ الشيخ -رحمه الله تعالى- هذه النواقض العشرة بالشرك بالله، لأنه أعظم ذنب عُصي الله به، وهو هضم للربوبية، وتنقص للألوهية، وهو "تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله".
وكيف لا يكون أعظم ذنب عُصي الله به وقد جَعَلَ لله شريكاً في عبادته، وقد أوجده من العدم، وغذاه بالنعم؟!
والشرك ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
1- شرك أكبر.
2- شرك أصغر.
3- شرك خفي.
وذهب العلامة ابن القيم رحمه الله إلى أن الشرك نوعان:
1- أكبر.
2- أصغر.
النوع الأول: الشرك الأكبر:
الشرك الأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة، وصاحبه إن لقي الله به؛ فهو خالدٌ في النار أبد الآبدين ودهر الداهرين.
قال الله -جل وعلا-: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ)( ).
وقال –تعالى-: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ(31))( ).
ولذلك يقول المشركون من عُبَّاد قبور وغيرهم لآلهتهم في النار: (تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (97) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ(98))( ).
وهم لم يسووهم به في خلق ولا رزق ولا إحياء ولا إماتة إنما سوَّوهم به في المحبة التي هي لُبُّ العبادة، وكذلك التعظيم الذي هو قربة من أجل القربات وعبادة من أعظم العبادات؛ ولذلك ذمَّ الله الذين لا يعظمونه، فقال: (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً(13))( )؛ أي: عظمة.
ولذلك نقول: إن الشرَّ كلَّه عائدٌ إلى الإشراك بالله جل وعلا.
والشرك الأكبر أنواعه كثيرة، مدارها على أربعة أنواع( )، نذكرها مجملة مع شيء من البيان يكون مختصراً لئلا يطول بنا الكلام، مع أن طول الكلام في هذه المسائل أحسن وأقوم، ولكن لتقاصر الهمم نكتفي بما ينفع مع الاختصار.
النوع الأول: شرك الدعوة:
ودليله قوله -تعالى-: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ(65))( ).
قال المصنف -رحمه الله- -تعالى- في "القواعد الأربع": "القاعدة الرابعة: أن مشركي زماننا أغلظ شركاً من الأولين؛ لأن الأولين يشركون في الرخاء ويخلصون في الشدة, ومشركو زماننا شركهم دائماً في الرخاء والشدة".
وقال -رحمه الله- في مقدمة "القواعد الأربع": إذا دخل الشرك في العبادة؛ فسدت كالحدث إذا دخل في الطهارة، فإذا عرفت أن الشرك إذا خالط العبادة أفسدها، وأحبط العمل، وصار صاحبه من الخالدين في النار؛ عرفت أن أهم ما عليك معرفة ذلك؛ لعل الله أن يخلصك من هذه الشبكة، وهي الشرك بالله".
النوع الثاني: شرك النية والإرادة والقصد:
والدليل قوله -تعالى-: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(16))( ).
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله -: "أما الشرك في الإرادات والنيات؛ فذلك البحر الذي لا ساحل له، وقل من ينجو منه، من أراد بعمله غير وجه الله، ونوى شيئاً غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه فقد أشرك في نيته وإرادته".
وجعل شرك النية شركاً أكبر محمول على من كانت جميع أعماله مراداً بها غير وجه الله، أما من طرأ عليه الرياء، فهو شرك أصغر، وسيأتي إن شاء الله إيضاحه.
النوع الثالث: شرك الطاعة:
وهي طاعة الأحبار والرهبان في معصية الله -تعالى-؛ كما قال –تعالى-: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ(31))( ).
ومما يفسر هذه الآية يقرأ هذه الآية:ويوضحها ما رواه الترمذي( ) وغيره عن عدي بن حاتم: أنه سمع النبي (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) الآية فقلت له: إنا لسنا نعبدهم! قال: "أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟" فقلت: بلى. قال "فتلك عبادتهم"، وسنده ضعيف، ولكن له شاهد عند ابن جرير( ) موقوفاً من طريق حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري عن حذيفة وفي صحته نظر، ولكن تفسير الآية بما ذكر مشهور بين أهل التفاسير، ليس فيهم من يدفعه.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً - حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله - يكونون على وجهين:
أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله، فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، اتباعاً لرؤسائهم، مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل؛ فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركاً، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم؛ فكان من اتبع غيره في خلاف الدين -مع علمه أنه خلافُ الدين- واعتقد ما قاله ذلك دون ما قاله الله ورسوله مشركاً مثل هؤلاء.
الثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام( ) ثابتاً، لكنهم أطاعوهم في معصية الله، كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي؛ فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب" اهـ كلامه( ).
النوع الرابع: شرك المحبة:
والدليل على ذلك قوله -تعالى-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) الآية( ).
فالمشرك - لجهله بربه - تجده يحب الآلهة من الأصنام وغيرها كحب الله وأعظم من ذلك، تجده إذا انتُهِكَتْ، يغضب لها أعظم مما يغضب لله ويستبشر لها ما لا يستبشر لله.
قال -تعالى-: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ(45))( ).
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى-: وها هنا أربعة أنواع من المحبة، يجب التفريق بينها، وإنما ضلَّ من ضلَّ بعدم التمييز بينها:
أحدها: محبة الله، ولا تكفي وحدها في النجاة من عذاب الله والفوز بثوابه، فإن المشركين وعبَّاد الصليب واليهود وغيرهم يحبون الله.
الثاني: محبة ما يحبُّ الله، وهذه هي التي تدخله في الإسلام، وتخرجه من الكفر وأحبُّ الناس إلى الله أقومهم بهذه المحبة، وأشدهم فيها.
الثالث: الحب لله وفيه، وهي من لوازم محبة ما يحبُّ، ولا تستقيم محبة ما يحبُّ إلا فيه وله.
الرابعة: المحبة مع الله، وهي المحبة الشركية، وكل من أحب شيئاً مع الله، لا لله، ولا من أجله، ولا فيه؛ فقد اتخذه ندًّ من دون الله وهذه محبة المشركين" أهـ المقصود.
فهذه الأنواع الأربعة للشرك الأكبر كلها مخرجة من الإسلام؛ لأنها عبادات، وصرف العبادات لغير الله شرك كما قال –تعالى-: (وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ(117))( ) فسمَّاهم الله كافرين؛ لدعائهم معه غيره.
ومن الشرك الأكبر أيضاً: الذبح لغير الله: لأن الذبح لله قربة له من أجل القربات؛ كما قال –تعالى-: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ(2))( )، وقال-تعالى-: (إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162))( )؛ فالنسك هو الذبح.
فمن ذبح للأولياء أو للأصنام أو للجن - كما يفعله كثير من الجهلة في البلاد الجنوبية وفي بعض ضواحي مكة عند سكنى المنزل -؛ فقد خرج عن الإسلام، ودخل في دائرة الكفر والضلال، لصرفه عبادة من أجل العبادات لغير الله.
ومن ذلك: النذر لغير الله: فهو شرك أكبر؛ لأن النذر عبادة؛ كما قال -تعالى-: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ)( )، وقال-تعالى-: (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ)( ).
فمن نذر لولي الشموع أو اللحوم وغيرهما؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه؛ لأنه لا يجوز النذر فما يفعله عباد القبور منإلا لله، وصرفه لغير الله مناقض لما بعث الله به محمداً أهل البلاد المجاورة وغيرها من النذر لمن يعتقدون فيه ضرًّا أو نفعاً شرك أكبر مخرج عن الإسلام، ومن قال: إن ذلك شرك أصغر؛ فقد أبعد النجعة وقفا ما لا علم له به، والله المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ومن ذلك: الاستعاذة والاستغاثة: كل ذلك صرفه لغير الله شرك.
النوع الثاني: الشرك الأصغر:
وصاحبه إن لقي الله به؛ فهو تحت المشيئة على القول الصحيح إن شاء الله عفا عنه وأدخله الجنة، وإن شاء عذبه، ولكن مآله إلى الجنة؛ لأن الشرك الأصغر لا يخلد صاحبه في النار، ولكنه معرض للوعيد، فيجب الحذر منه.
ومن أنواع الشرك الأصغر: الحلف بغير الله: إن لم يقصد تعظيم المحلوف به، وإلا؛ صار شركاً أكبر.
: "منوقد قال النبي حلف بغير الله، فقد كفر أو أشرك".
رواه أحمد، وأبو داود والترمذي والحاكم وصححه وقال: "على شرط الشيخين"، وسكت عنه الذهبي، من حديث ابن عمر.
ومنه: يسير الرياء والتصنع للخلق:
: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، فسُئِلوقد قال النبي عنه؟ فقال: "الرياء". رواه أحمد وغيره من حديث محمود بن لبيد وسنده حسن.
فإذا وأدركوا نزول الوحي؛ فعلىكان الشرك الأصغر مخوفاً على الصحابة الذين مع النبي غيرهم من باب أولى ممن قل علمه وضعف إيمانه.
ولا يسلم المسلم من الشرك إلا .بالإخلاص لله وبتجريد المتابعة للرسول
ولما ذكر العلامة ابن القيم -رحمه الله- شرك عُباد الشمس والقمر وعباد النار وغيرهم؛ قال: "وأما الشرك في العبادة؛ فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمراً، فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضرُّ ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه ولكن لا يخص الله في معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب، وهذا حال أكثر الناس.
وهو الشرك الذي فيما رواه ابن حبان في "صحيحه": "الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيبقال فيه النبي النملة". قالوا: كيف ننجو منه يا رسول الله؟! قال: "قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم". فالرياء كله شرك.
قال-تعالى-: (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً(110))( ).
أي: كما أنه إله واحدٌ، ولا إله سواه؛ فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفرد بالإلهية يجب أن يفرد بالعبودية؛ فالعمل الصالح هو الخالي من الرياء المقيد بالسنة.
وكان من دعاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "اللهم اجعل عملي كله صالحاً، واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً"( ).
وهذا الشرك في العبادة يُبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه إذا كان العمل واجباً، فإنه يُنَزَّلُ منزلة من لم يعمله، فيعاقب على ترك الأمر؛ فإن الله سبحانه إنما أمر بعبادته عبادة خالصة.
قال -تعالى- (وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ)( ).
فمن لم يخلص لله في عبادته؛ لم يفعل ما أُمِرَ به، بل الذي أتى به شيء غير المأمور به، فلا يصح ولا يُقبل.
ويقول الله: "أنا أغنى الشركاء فمن عمل عملاً أشرك معي فيه غيري، فهو للذي أشرك، وأنا منه بريء"( ).
وهذا الشرك ينقسم إلى مغفور وغير مغفور.." اهـ المقصود من كلامه رحمه الله –تعالى-.
والعمل لغير الله له حالات:
الحالة الأولى: أن يكون رياء محضاً، فلا يريد صاحبه إلا الدنيا أو مراآة المخلوقين؛ كالمنافقين؛ الذين قال الله فيهم: (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلاً(142))( ).
فهذا العمل لا يشك مسلم بأنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله جل وعلا.
الحالة الثانية: أن يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فهذا له حالتان:
أ- إما أن يشاركه الرياء من أصله.
ب- وإما أن يطرأ عليه.
فأما الأول؛ فالعمل حابط لا يقبل، ويستدل له بالحديث الذي خرجه مسلم في "صحيحه" عن أبي : قال الله تعالى: "أنا أغنى الشركاء عنهريرة رضي الله عنه؛ قال: قال رسول الله الشرك، من عمل عملاً أشرك معي فيه غيري؛ تركته وشركه".
وأما إن طرأ عليه الرياء، واسترسل معه: فبعض العلماء يبطله بالكلية، وبعض العلماء يقول: إن استرسل معه؛ فله أجر إخلاصه وعليه وزر الرياء، وأما إن جاهد ودفعه؛ فهذا له نصيب من قوله –تعالى-: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(41))( ).
وأما مثلاً من جاهد في سبيل الله وله نية في أخذ المغنم؛ فهذا العمل فيه خلاف بين العلماء.
قال ابن القيم رحمه الله في "إعلام الموقعين" (2/163) بعد كلام سبق: "وهذا كمن يصلي بالأجرة؛ فهو لو لم يأخذ الأجرة؛ صلى، ولكنه يصلي لله وللأجرة، وكمن يحج ليسقط الفرض عنه ويقال: فلان حج، أو يعطي الزكاة، فهذا لا يُقبل العمل منه".
وقال ابن رجب رحمه الله: "نقص بذلك أجرُ جهاده، ولم يبطل بالكلية".
وقال رحمه الله( ): "وقد ذكرنا فيما مضى أحاديث تدل على أن من أراد بجهاده عرضاً من الدنيا: أنه لا أجر له، وهي محمولة على أنه لم يكن له غرض في الجهاد إلا الدنيا".
فعلى هذا؛ هناك فرق بين من يجاهد مثلاً للذكر والأجر وبين من يجاهد للمغنم والأجر.
فالأول: ثبت فيه حديث أبي فقال: يا رسول الله! أرأيتأمامة عند النسائي( ) بسند حسن: أن رجلاً أتى النبي : "لا شيء له", فأعادها عليه ثلاث مرات.رجلاً غزا يلتمس الأجر والذكر؟ فقال النبي :"لا شيء له". ثم قال: "إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كانيقول له رسول الله خالصاً وابتُغِىَ به وجهه".
وأما الثاني: فقد قدمنا الكلام عليه، والله أعلم.

الناقض الثاني من نواقض الإسلام

قال -رحمه الله-: ((من جعل بينه وبين الله وسائط؛ يدعوهم، ويسألهم الشفاعة، ويتوكل عليهم؛ كفر إجماعاً)).
أقول: إن هذا الناقض من أكثر النواقض وقوعاً وأعظمها خطراً على المرء، لأن كثيراً ممن يتسمى باسم الإسلام وهو لا يعرف الإسلام ولا حقيقته جعل بينه وبين الرب - جل وعلا - وسائط يدعوهم لكشف الملمات وإغاثة اللهفات وتفريج الكربات، وهؤلاء كفار بإجماع المسلمين؛ لأن الله -جل وعلا- ما أنزل الكتب وأرسل الرسل؛ إلا ليعبدوه وحده لا شريك له، ولكن أبى ذلك عباد القبور، وجعلوا وسائط يسألونهم جلب المنافع ودفع المضار، وجعلوا ذلك هو العبادة التي أمر الله بها، ومن أنكر عليهم شيئاً من ذلك؛ رموه بعدم تعظيم الأولياء والصالحين.
وهم بزعمهم الفاسد لا يسألون الله مباشرة تعظيماً منهم لله ويقولون: إن الله لا بد له من واسطة، كما أن الملك لا يُسأل إلا بواسطة الحجاب والله أولى بذلك من الملك.
فهم والعياذ بالله شبهوا الله بالمخلوق العاجز، ومن هذا الباب دخلوا، حتى خرجوا من الإسلام، وفي الكتاب والسنة مما يبطل قولهم ويقطع دابرهم كثير.
ومن تدبر القرآن طالباً للهدى ومؤثراً للحق، تبين له ذلك وتبينت له غربة الدين، وجهل كثير من الناس بدين رب العالمين.
فمن ذلك قوله -تعالى-: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (22) وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ)( ).
وقال -تعالى-: (قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً (57))( ).
وقال -تعالى-: (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ (106) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107))( ).
وقال -تعالى-: (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (38))( ).
وفي القرآن أكثر من ذلك مما يدل على وجوب إخلاص العبادة لله وحده، وعدم جعل الوسائط بينه وبين خلقه.
وقد قال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186))( ).
لما قيلوكذلك النبي له: ما شاء الله وشئت؛ قال: "أجعلتني لله عدلاً؟ ما شاء الله وحده( )؛ لأن الواو في قوله: "وشئت"؛ تقتضي المساواة، والله جل وعلا تفرد بالإلهية، فيجب أن يفرد بالعبودية، ولا يساوى بأحد من خلقه في جلب نفع أو دفع ضرّ.
فيوقد قال النبي الحديث العظيم الذي خرَّجه الترمذي وحسَّنه عن ابن عباس: "احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تُجاهك، وإذا سألت فاسأل الله ن وإذا استعنت فاستعن بالله، واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضرُّوك بشيء، لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك، رُفِعَت الأقلام، وجفت الصحف".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "ومع علم المؤمن أن الله ربُّ كل شيء ومليكه؛ فإنه لا ينكر ما خلقه الله من الأسباب؛ كما جعل المطر سبباً لإنبات النبات؛ قال -تعالى-: (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ)( )، وكما جعل الشمس والقمر سبباً لما يخلقه بهما، وكما جعل الشفاعة والدعاء سبباً لما يقضيه بذلك؛ مثل صلاة المسلمين على جنازة الميت؛ فإن ذلك من الأسباب التي يرحمه الله بها، ويثيب عليها المصلين عليه، لكن ينبغي أن يُعرف في الأسباب ثلاثة أمور:
أحدها: أن السبب المعين لا يستقل بالمطلوب، بل لابد معه من أسباب أخر، ومع هذا؛ فلها موانع؛ فإن لم يكمل الله الأسباب، ويدفع الموانع؛ لم يحصل المقصود، وهو سبحانه ما شاء كان وإن لم يشأ الناس، وما شاء الناس لا يكون إلا أن يشاء الله.
الثاني: أنه لا يجوز أن يعتقد أن الشيء سبب إلا بعلم، فمن أثبت شيئاً سبباً بلا علم أو يخالف الشرع؛ كان مبطلاً، مثل من يظن أن النذر سبب في دفع أنه نهى عن الذر، وقال:البلاء وحصول النعماء، وقد ثبت في "الصحيحين" عن النبي "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل".
الثالث: أن الأعمال الدينية لا يجوز أن يتخذ منها شيء سبباً، إلا أن تكون مشروعة؛ فإن العبادات مبناها على التوقيف، فلا يجوز للإنسان أن يشرك بالله فيدعو غيره، وإن ظن أن ذلك سبب في حصول بعض أغراضه، ولذلك لا يُعبد الله بالبدع المخالفة للشريعة، وإن ظن ذلك؛ فإن الشياطين قد تعين الإنسان على بعض مقاصده إذا أشرك، وقد يحصل بالكفر والفسوق والعصيان بعض أغراض الإنسان، فلا يحل له ذلك؛ إذ المفسدة الحاصلة بذلك أعظم من بُعثَ بتحصيل المصالح وتكميلها وتعطيل المفاسدالمصلحة الحاصلة به؛ إذ الرسول وتقليلها، فما أمر الله به، فمصلحته راجحة، وما نهى عنه؛ فمفسدته راجحة" اهـ كلامه( ).
والمشركون في قديم الدهر وحديثه إنما وقعوا في الشرك الأكبر لتعلقهم بأذيال الشفاعة؛ كما ذكر الله ذلك في كتابه؛ والشفاعة التي يظنها المشركون أنها لهم هي منتفية يوم القيامة، كما نفاها القرآن وأبطلها في عدة مواضع:
قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (254))( ).
وقال -تعالى-: (وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ)( ).
فهذه الشفاعة المنفية هي التي تطلب من غير الله، لأن الله - جل شأنه وعز سلطانه - أثبت الشفاعة في كتابه في عدة مواضع:
كما قال -تعالى-: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ)( ).
وقال -تعالى-: (وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى)( ).
وقال -تعالى-: (قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً)( ).
وقال -تعالى-: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى(26))( ).
فعلى هذا؛ فالشفاعة شفاعتان:
أ- شفاعة منفية: وهي التي تطلب من غير الله.
ب- شفاعة مثبتة: وهي التي تطلب من الله، ولا تكون إلا لأهل التوحيد والإخلاص، وهي زيادة على ذلك مقيدة بأمرين عظيمين:
الأول: إذن الله للشافع، كما قال -تعالى-: (مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِه)( ).
الثاني: رضا الرب عن المشفوع له؛ كما قال –تعالى-: (وَلا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى)( )؛ أي: قوله وعمله، أما المشركون؛ فتكون أعمالهم هباء منثوراً، فلا شفاعة لهم؛ معاملة لهم بنقيض قصدهم، فمن استعجل شيئاً قبل أوانه؛ عوقب بحرمانه.
* * * * *

الناقض الثالث من نواقض الإسلام

قال رحمه الله: ((من لم يكفر المشركين أو شك في كفره أو صحح مذهبهم))
لأن الله -جل وعلا- كَفَّرهم في آيات كثيرة من كتابه، وأمر بعداوتهم؛ لافترائهم الكذب عليه، ولجعلهم شركاء مع الله، وادعائهم بأن له ولداً، تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيراً، وقد افترض الله -جل وعلا- على المسلمين معاداتهم وبغضهم.
ولا يحكم بإسلام المرء حتى يُكَفِّرَ المشركين، فإن توقّف في ذلك مع ظهور الأمر فيهم، أو شك في كفرهم مع تبينه؛ فهو مثلهم.
أما من صحح مذهبهم، واستحسن ما هم عليه من الكفر والطغيان؛ فهذا كافر بإجماع المسلمين؛ لأنه لم يعرف الإسلام على حقيقته، وهو: "الاستسلام لله بالتوحيد، والانقياد له بالطاعة، والبراءة من الشرك وأهله" وهذا والى أهل الشرك، فضلاً عن أن يكفرهم.
وفي "صحيح مسلم" من طريق مروان الفزاري عن أبي مالك سعد يقول: "من قال لا إله إلا الله، وكفر بماابن طارق عن أبيه؛ قال: سمعت رسول الله يُعد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله".
فلا يُكتفى بعصمة دم المسلم أن يقول: لا إله إلا الله، بل لا بد أن يضيف إليها الكفر بما يُعبد من دون الله، فإن لم يكفر بما يُعبد من دون الله، لم يحرم دمه وماله، والسيف مسلول عليه؛ لإضاعته أصلاً من أصول ملة إبراهيم. التي أمرنا باتباعها والسير على منهجها دونَ تمييع لها مسايرة لشهوات أعداء الله.
قال -تعالى-: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ)( ).
هذه هي ملة إبراهيم التي من رغب عنها، فقد سفه نفسه.
وقال -تعالى-: (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى)( ).
قال الإمام محمد بن عبد الوهاب قدَّس الله روحه: "وصفة الكفر بالطاغوت: أن تعتقد بطلان عبادة غير الله، وتتركها، وتبغضها، وتكفر أهلها، وتعاديهم"
وبهذا البيان يتبين لك ما عليه كثير من حكام البلاد التي تنتسب إلى الإسلام؛ لأنهم والوا أهل الإشراك، وقربوهم، وعظموهم، وجعلوا بينهم علاقات تدل على أنهم إخوان لهم، إضافة إلى ذلك أنهم عادوا أهل الدين وآذوهم وأودعوهم في السجون؛ فهل يبقى إسلام بعد هذا؟!".
قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(51))( ).
وقال -تعالى-: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ)( ).
فلا بد لكل مسلم يدين دين الإسلام أن يُكَفِّرَ المشركين، وأن يعاديهم، وأن يبغضهم، ويبغض من أحبهم، أو جادل عنهم، أو ذهب إلى ديارهم من غير عذر شرعي يرضاه الله ورسوله.
وعلى المسلمين جميعاً أن يرجعوا إلى دينهم؛ فبه يحصل العز، وبه يحصل النصر، وبه تستقيم البلاد، وبه يحصل الفرقان بين أولياء الرحمن الذين ينصرون دينه وبين أولياء الشيطان الذين لا يبالون بما جرى على الدين إذا سلمت لهم مآكلهم ومشاربهم.
ويجب على جميع المسلمين أن يكون لهم أسوة بإبراهيم الخليل (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (26) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ(27))( )؟!.
وعلينا أن نرجع إلى عقيدتنا وديننا ونمتثل أمر الله –جل وعلا – في حكمه في الكفار: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ(123))( ).
وقال -تعالى-: (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ)( ).
وكلما أعرض الناس عن تحكيم الكتاب والسنة؛ سلّط الله عليهم عدوهم، فلما أعرض كثير من حكام الدول عن تحكيم شرع الله ورضوا بالقوانين الوضعية الملعونة الملعون محكمها؛ تدهورت بلادهم وتشتتت، وسامهم العدو سوم العذاب من حيث لا يشعون، لأن كثير من الرؤساء لا يهمهم إلا المحافظة على المناصب التي يتولونها، سواءٌ استعز الدين أم لا، مع أن العز والتمكين لا يكون إلا بالقيام بنصر هذا الدين؛ لأنه فرض لازم على كل من له قدرة وملكة يستطيع ذلك، ولكن أكثرهم لا يعلمون، وسبب ذلك بطانة السوء مع تقصير كثير من الدعاة إلى الله في التركيز على هذا الجانب. والله المستعان.
وليعلم كل مسلم أن الكفار يسعون سعياً شديداً، ويحرصون كل الحرص، على إبعاد المسلم عن دينه حسداً من عند أنفسهم، فإن لم ينتبه الغيور على دينه من هذه الرقدة؛ فسوف يعض أصابع الندم حين لا ينفع، وسوف يجني ثمرة فعله, "ومن لم يغزُ غُزِيَ"
ويجب على كل عالم وداعية وخطيت وإمام مسجد أن يبين للناس خطورة موالاة الكفار بالأدلة الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله، ويبين لهم خطورة الذهاب إلى ديارهم، أو استقدامهم إلى ديار المسلمين؛ لأن الله قطع الموالاة والصلة بين المسلم والكافر، حتى ولو كان أقرب قريب؛ كما قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الأِيمَانِ)( ).
وقال -تعالى-: (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ)( ).
وقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ(1))( ).
فيما رواه عنه الشيخان من حديث أسامة: "لا يرث المسلمولذلك قال النبي الكافر، ولا الكافر المسلم"؛ لئلا يقع بين المسلم والكافر علائق؛ حسم النبي المادة وقطع بينهما التوارث.
فيما صح عنهلا يقتل مسلم بكافر)( )، وماوقال ذاك إلا لهوان الكافر.
كيف لا، والله -جل وعلا يقول: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ)( )؟!.
وليعْلم كل مسلم أن الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم لن يصطلحوا مع المسلمين، ولن يسالموهم ويرضوا عنهم؛ حتى يتبع المسلمون ملتهم، ويحذوا حذوهم؛ كما قال -تعالى-: (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ(120))( ).
فهذا تهديد من الله ووعيد شديد على من اتبع دين الكفار، وأنه ليس له من دون الله ولي ولا تصير.
بمفارقةوقد أمر النبي المشركين؛ لئلا يصير منهم، بل عظم الأمر وقال: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين". قالوا: يا رسول الله! لِمَ؟ قال: "لا تراءى ناراهما"( ).
وروى أنه قال:النسائي وغيره بسند جيد من حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده عن النبي "لا يقبل الله من مشرك بعدما أسلم عملاً أو يفارق المشركين إلى المسلمين".
ونشكوا إلى الله -جل وعلا- غربة الدين، وتغير أحوال المسلمين فهم يسمعون هذه النصوص الصريحة المخيفة، ومع ذلك يذهبون إلى ديارهم، ويجلسون معهم، ويؤاكلونهم، ويضاحكونهم!
: "من جامع المشرك، وسكن معه، فإنهوقد قال النبي مثله".
رواه أبو داود من حديث سمرة بن جندب، وفيه ضعف، ولكن يشهد له ما تقدم.
أين ملة إبراهيم؟!
أين الحب والبغض في الله؟!
كل هذا لا يرفع به كثير من الناس رأساً.
ولله درُّ العلامة سليمان بن سمحان حيث يقول:
وَمِلَةُ إبْراهيمَ غُودرَ نَهْجُها
وَقَدْ عُدِمَتْ فينا وَكَيْفَ وقَدْ سَفَتْ
ومَا الدِّينُ إلاَّ الحُبُّ والبُغْضُ والوَلا
وَلَيْسَ لَها مِنْ سالِكٍ مُتَمَسِّكٍ
فَلسْنا نَرى مَا حَلَّ بالدِّينِ وانْمَحَتْ
فَنأْسَى عَلى التَّقصيرِ مِنّا وَنَلْتَجي
فنَشْكوا إلى اللهِ القُلوبَ الَّتي قَسَتْ
أَلَسْنا إذا مَا جَاءَنا مُتَضَمِّخٌ
نَهُشُّ إلَيْهِمْ بالتَّحيَّةِ والثَّنا
وقَدْ بَرِئ المَعْصومُ مِنْ كُلِّ مُسْلِمٍ
ولكِنَّما العَقْلُ المَعيشِيُّ عِنْدَنا
عَفاءً فَأَضْحَتْ طامِساتِ المَعالِمِ
عَلَيْها السَّوافِي في جمَيعِ الأقالِمِ
كَذاكَ البرَا مِنْ كُلِّ غاوٍ وآثِمِ
بِدينِ النَّبِيِّ الأبْطَحِيِّ ابنِ هَاشِمِ
بِهِ الِملَّةُ السَّمْحَاءُ إحْدى القَواصِمِ
إلى اللهِ في مَحْو الذُّنوبِ العَظائِمِ
وَرانَ عَلَيْها كَسْبُ تِلْكَ المآثِمِ
بِأوْضارِ أهْلِ الشِّرْكِ مِنْ كُلِّ ظالِمِ
ونُهْرَعُ في إكْرامِهِمْ بالوَلائِمِ
يُقيمُ بِدارِ الشَّركِ غَيْرَ مُصارِمِ
مُسَالَمَةُ العَاصينَ مِنْ كُلِّ آثِمِ

قول الشيخ رحمه الله: "أو صحح مذهبهم": يدخل فيه ما يدعو إليه كثير من أهل هذا الزمان، ممن يدعون إلى الاشتراكية، أو يدعو إلى العلمانية، أو إلى البعثية؛ فهذه كلها فرق ضالة كافرة، وإن تسمى أصحابها باسم الإسلام؛ لأن الأسماء لا تغير الحقائق.
ونشكوا إلى الله ما حلَّ بنا في هذا العصر الغريب، فقد انقلبت الموازين فأصبح الكثير يتعاملون مع الأسماء دون المسميات ومع الدعاوي دون البينات. فعدو الله الذي يحارب الدين ليلاً ونهاراً سرًّا وجهاراً قد صار مؤمناً موحداً عند الجهال المغفلين وأهل الشهوات، بدعوى أنه يتلفظ بالشهادتين، وما يغني عنه تلفظه بالشهادتين وقد صار جنديًّا من جنود إبليس، وحرباً على هذا الدين بالنفس والمال فالله المستعان.


الناقض الرابع من نواقض الإسلام


الناقض الرابع من نواقض الإسلام

قال رحمه الله: ((ومن اعتقد أكمل من هديه، أو حكم غيره أحسن من حكمه؛ كالذي يفضل حكمأن غير هدي النبي الطواغيت على حكمه)).
المسألة الأولى:
أما المسألة الأولى، وهي: "من اعتقد أكمل من هديه"، فهي مسألة عظيمة خطيرة، تردي بمعتقدها إلىأن غير هدي النبي الجحيم؛ لأن ذلك مصادمة للمنقول والمعقول.
يقول في خطبةوقد كان النبي الجمعة: "أما بعد؛ فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد".
أخرجه مسلم( ) وغيره من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر به.
فلا شك ولا ريب أن هدي أكمل الهدي؛ لأنه وحي يوحى إليه؛ كما قال الله –جل وعلا-: (إِنْ هُوَ إلامحمد وَحْيٌ يُوحَى(4))( ).
ولذلك أجمع العلماء الذين يعتد بإجماعهم على أن السنة هي الأصل الثاني من أصول التشريع الإسلامي، وأنها مستقلة بتشريع الأحكام، وهي كالقرآن في التحليل والتحريم.
أنه قال لعمر لما رأى معه كتاباًولذلك جاء عن النبي أصابه من بعض أهل الكتاب :" أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟! والذي نفسي بيده؛ لقد جئتكم بها بيضاء نقية.." الحديث، أخرجه أحمد وغيره وفي إسناده مجالد بن سعيد قال عنه أحمد ليس بشيء وضعفه يحيى ابن سعيد وابن مهدي وغيرهما.
ناسخةفشريعة محمد : "أحب الأديان إلى اللهلجميع الشرائع، وهي أسهلها وأيسرها؛ كما قال النبي الحنيفية السمحة".
أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" وعلقه في صحيحه بصيغة الجزم، وحسنه الحافظ ابن حجر في الفتح [ 1/ 94 ] من حديث ابن عباس.
فكيف مع ذلك يكون هدي غيره أكمل من هديه، وقد جاء عنه صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: "والذي نفسي بيده؛ لو كان موسى بين أظهكم، ثم اتبعتموه وتركتموني ، لضللتم ضلالاً بعيداً"؟!
والله -جلا وعلا- قد امتن على هذه الأمة بأن أكمل لها الدين وأتم .عليها النعمة، وذلك بواسطة محمد
فقال -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلامَ دِيناً)( ).
فما رضيه الله لنا؛ فنحن نرضاه؛ لأنه الدين الذي أحبه ورضيه وبعث به أفضل المرسلين.
قال الله -تعالى-: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الأِسْلام)( ).
وقال -تعالى-: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(85))( ).
فكل من ابتغى غير هذا الدين؛ فهو من الكافرين.
المسألة الثانية:
وأما المسألة الثانية، وهي: "من اعتقد أن حكم غيره أحسن من حكمه، كالذي يفضل حكم الطواغيت على حكمه"، فهذا كافر بإجماع أهل العلم، ومن هؤلاء الكفار الذين يفضلون أحكام الطواغيت الوضعية على حكم فهؤلاء كفار؛ لتفضيلهم أحكام أناس مثلهم -بل قد يكونون دونهم- على حكمرسول الله رسول رب العالمين، الذي بعثه الله هدى للعالمين، وليخرج الناس من الظلمات إلى النور.
قال -تعالى-: (الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ(1))( ).
وينبغي لكل مسلم ومسلمه أن يعلم أن حكم الله ورسوله مقدمٌ على كل حكمٍ، فما من مسألة تقع بين الناس؛ إلا ومردها إلى حكم الله ورسوله، فمن تحاكم إلى غير حكم الله ورسوله؛ فهو كافر؛ كما ذكر الله ذلك في سورة النساء:
فقال –تعالى-: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً(60)) الآية إلى أن قال جل وعلا: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً(65))( ).
أقسم الله -جل وعلا- بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يستكملوا ثلاثة أشياء:
في جميع الأمور.1- أن يحكموا الرسول
2- أن لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضى به.
3- أن يسلموا تسليماً كاملاً لحكمه.
وكيف يرضى العاقل أن تجري عليه أحكام المخلوقين التي هي نُحاتة أفكار وزبالة أذهان بدلاً من حكم الله الذي أنزله على رسوله، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور؟!
وكذلك أيضاً فإن أحكام المخلوقين مبنية على الظلم والجور وأكل أموال الناس بالباطل.
وانظروا ماذا حل بكثير من الدول لما خرجوا عن حكم الله ورسوله، ورضوا بأحكام المخلوقين؟! الظلم ديدنهم، والباطل والفجور جارٍ بينهم؛ من غير منكر ولا نكير، نشأ على هذا الصغير، وهرِم عليه الكبير، حتى تغيرت فطرهم، فهم يعيشون معيشة بهيمية، وهكذا يعيش .كل من خرج عن حكم الله ورسوله
قال الله -تعالى-: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ(44))( ).
والحكم بما أنزل الله، واعتقاد أن حكم الرسول أحسن من حكم غيره: من مقتضيات شهادة أن (لا إله إلا الله)، ومن زعم أن حكم غير الرسول أحسن من حكم الرسول؛ فهذا لم يعرف معنى (لا إله إلا الله)، بل أتى بما يناقضها؛ لأن الانقياد شرطٌ من شروط هذه الكلمة العظيمة، التي بها قامت السماوات والأرض، ومن أجلها أرسلت الرسل وأنزلت الكتب، ومن أجلها شرع الجهاد، ومن أجلها افترق الناس إلى شقي وسعيد، فمن عرفها وعمل بها مستكملاً شروطها وأركانها؛ فقد تبرأ من حكم غير الله والرسول.
وقد تغيرت الأحوال، خصوصاً في هذا الزمان الذي يشبه أزمان الفترات، فاعتاضوا عن كلام الله ورسوله وحكم الله ورسوله بآراء اليهود والنصارى، الذين لا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمة، ورضوا بتحكيم آراء الرجال.
ولله در العلامة ابن القيم حيث يقول:
واللهِ مَا خَوْفِي الذُّنوبَ فإنَّها
لكِنَّما أخْشى انْسِلاخَ القَلبِ عَنْ
وَرِضاً بِآراءِ الرِّجالِ وَخَرْصِها
لَعَلى سَبيلِ العَفْوِ والغُفْرانِ
تَحْكيمِ هَذا الوَحْيِ والقُرْآنِ
لا كانَ ذَاكَ بِمِنَّةِ المَنَّانِ

فإلى الله المشتكى، وبه المستعان، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ويدخل فيما تقدم من الكفر والضلال قول من يقول: إن إنفاذ حكم الله في رجم الزاني المحصن وقطع يد السارق لا يناسب هذا العصر الحاضر؛ فزماننا قد تغير عن زمن الرسول والدول الغربية تعيبنا في وأهدى سبيلاً.هذا!! فهذا المارق قد زعم أن حكم أهل هذا العصر أحسن من حكم النبي
وكذلك يدخل في ذلك من قال: إنه يجوز في هذا العصر الحكم بغير ما أنزل الله!! لأنه قد استحل محرماً مجمعاً على تحريمه. والله أعلم.
* * * * *

الناقض الخامس من نواقض الإسلام

قال -رحمه الله-: ((من أبغض شيئاً مما جاء به ولو عمل به؛ كفر)).الرسول
وهذا باتفاق العلماء؛ كما نقل ذلك صاحب "الإقناع" وغيره.
-سواء كان من الأقوال أو الأفعال- نوع منوبغض شيء مما جاء به الرسول أنواع النفاق الاعتقادي الذي صاحبه في الدرك الأسفل من النار.
فمن أبغض شيئأً ، أمراً كان أونهياً؛ فهو على خطر عظيم.مما جاء به الرسول
فمن ذلك ما يتفوه به كثير من الكتاب الملحدين الذين تغذوا بألبان الإفرنج، وخلعوا ربقة الإسلام من رقابهم من كراهيتهم لتعدد الزوجات؛ فهم يحاربون تعدد الزوجات بشتى الوسائل، وما يعلم هؤلاء أنهم يحاربون الله ورسوله، وأنهم يردون على الله أمره.
ومثل هؤلاء في الكفر والبغض لما جاء به الرسول من يكره كون المرأة ليست بمنزلة الرجل؛ ككرههم أن تكون دية المرأة نصف دية الرجل، وأن شهادة امرأتين بشهادة رجل واحد، وغير ذلك؛ :فهم مبغضون لقول النبي
"ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن.." الحديث، متفق عليه، من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.
فلذلك تجدهم يمدون ألسنتهم نحو هذا الحديث العظيم: إما بصرفه عن ظاهره، وإما بتضعيفه، بحجة أن العقل يخالفه، وإما بمخالفته للواقع.. وغير ذلك مما هو دال ومؤكد لبغضهم لما جاء به الرسول.
وهؤلاء كفار، وإن عملوا بمدلول النص، فهم لم يستكملوا شروط (لا إله إلا الله) لأن من شروطها: المحبة لما دلت عليه، والسرور بذلك، وانشراح الصدر، وهؤلاء ضاقت صدورهم وحرجت وأبغضوا ما دلت عليه وهذا هو عين فعل المنافقين، الذين يفعلون كثيراً من محاسن الشريعة الظاهرة لشيء ما، مع بغضهم لها.
ولذلك قال : "من قال: لا إله إلا الله خالصاً من قلبه؛ دخل الجنة"( )، فقوله: "خالصاًالنبي من قلبه" خرج بذلك المنافق؛ لأنه لم يقلها خالصة من قلبه، إنما قالها ليعصم دمه وماله.
قال الله -تعالى- حاكماً بكفر من كره ما أنزل على رسوله: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (8) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ(9))( ).
فالله -جل وعلا- أحبط أعمالهم، وجعلها هباءً منثوراً؛ بسبب كراهيتهم ما أنزل على رسوله من القرآن الذي جعله الله فوزاً وفلاحاً للمتمسكين به، المؤتمرين بأمره، المنتهين عن نهيه.
وكل من كره ما أنزل الله؛ فعمله حابط، وإن عمل بما كره؛ كما قال –تعالى-: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28))( ).
وهذا من أعظم ما يخيف المسلم: أن يكون .كارهاً لما جاء به الرسول
وقد يكمن هذا في النفس، ولا يشعر به إلا بعد برهة من عمره، ولذلك ينبغي الإكثار من قوله: "يا مقلب القلوب! ثبت قلبي على دينك"؛ لأن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.
ومما ينبغي التنبيه عليه أن كثيراً من الناس قد تبين له منكراً ما، فيرفض القبول، ولا يقبل ما تقول؛ خصوصاً عند ارتكابه، فهذا لا يطلق عليه أنه مبغض لما جاء به الرسول دون تفصيل؛ لأنه قد لا يقبل الحق الذي جئته به، لا لأنه حق، ولكن لسوء تصرفك في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلو جاءه غيرك، وبيَّن له نفس المنكر، لقبل وانقاد، أو أنه لا يقبل منك لما .بينك وبينه من شيء ما، فهذا لا يسمى مبغضاً لما جاء به الرسول
وهناك من الناس من يُلزِمُ صاحب المعصية بما لا يَلْزَمُ، فيُلزِمُ حالق اللحية ومسبل الإزار من الأمر بإعفاء اللحية وعدموشارب الخمر مثلاً وغيرهم ببغض ما جاء به الرسول ، لماالإسبال والنهي عن شرب الخمر، فيقول لهم: لولا أنكم تبغضون ما جاء به محمد فعلتم هذه المنكرات.
وهذا إلزام باطل؛ فهناك من الصحابة من حصلت منه بعض المخالفات –كشرب الخمر مثلاً- ولم يلزمه أحد من الصحابة بذلك الإلزام، بل لما أتى ، ولعنه بعض الصحابة وقال: ما أكثر ما يُؤتى به! نهاه النبيبشارب الخمر إلى النبي عن لعنه، وقال: "إنه يحب الله ورسوله"( ).
وإلزام هؤلاء بذلك يقتضي إخراج أهل الكبائر من الإسلام، وهذا مخالف لمعتقد أهل السنة والجماعة من أن أهل الكبائر تحت المشيئة: إن شاء الله عفا عنهم وإن شاء عذبهم على قدر جرمهم، ثم مآلهم إلى الجنة، والله أعلم.
* * * * *

الناقض السادس من نواقض الإسلام

قال رحمه ، أو ثوابه، أو عقابه؛ كفر، والدليل قولهالله: ((من استهزأ بشيء من دين الرسول –تعالى-: (قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)( ).
الاستهزاء بشيء مما جاء به الرسول كفر بإجماع المسلمين، ولو لم يقصد حقيقة الاستهزاء؛ كما لو هزل مازحاً.
وقد روى ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وغيرهم عن عبد الله ابن عمر؛ قال: قال رجل في غزوة تبوك في مجلس يوماً: ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء: أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء. فقال رجل في المجلس: كذبت! ولكنك ، ونزل القرآن. قال عبد الله: فأنا. فبلغ ذلك رسول الله منافق، لأخبرن رسول الله والحجارة تنكبه وهو يقول: يا رسول الله! إنمارأيته متعلقاً بحقب ناقة رسول الله يقول: (أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْكنا نخوض ونلعب، والنبي تَسْتَهْزِئُونَ(65))( ).
فقولهم: "إنما كنا نخوض ونلعب"؛ أي: إننا لم نقصد حقيقة الاستهزاء، وإنما قصدنا الخوض واللعب، نقطع به عناء الطريق، كما في بعض روايات الحديث، ومع ذلك كفَّرهم الله -جل وعلا-؛ لأن هذا الباب لا يدخله الخوض واللعب؛ فهم كفروا بهذا الكلام، مع أنهم كانوا من قبل مؤمنين.
وأما قول من قال: "إنهم كفروا بعد إيمانهم بلسانهم مع كفرهم أولاً بقلوبهم"؛ فقد رده شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-، وقال: "إن الإيمان باللسان مع كفر القلب قد قارنه الكفر، فلا يُقال: (قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)( )، فإنهم لم يزالوا كافرين في نفس الأمر"( ).
؛ كالاستهزاء بالعلم الشرعيفمن استهزأ بشيء مما جاء به الرسول وأهله لأجله، وكالاستهزاء بثواب الله وعقابه، والاستهزاء بالآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر من أجل أمرهم به أو نهيهم عنه، وكالاستهزاء بالصلاة سواء كانت نافلة أو فريضة، وكذلك الاستهزاء بالمصلين لأجل صلاتهم،وكذلك الاستهزاء بمن أعفى لحيته لأجل إعفائها، أو بتارك الربا لأجل تركه؛ فهو كافر.
والاستهزاء بشيء مما من صفات المنافقين؛ كما قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُواجاء به الرسول كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (29) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (30) وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (31) وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَؤُلاءِ لَضَالُّونَ (32) وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ (33) فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (34) عَلَى الأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (35) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(36))( ).
وقد قسم غير واحد من أهل العلم( ) الاستهزاء بشيء إلى قسمين:مما جاء به الرسول
أحدهما: الاستهزاء الصريح؛ كالذي نزلت فيه الآية وهو قولهم: "ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء: أرغب بطوناً، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء"، أو نحو ذلك من أقوال المستهزئين.
الثاني: غير الصريح: وهو البحر الذي لا ساحل له، مثل: الرمز بالعين، وإخراج اللسان، ومد الشفة، والغمزة أو عند الأمر بالمعروف والنهي عنباليد عند تلاوة كتاب الله أو سنة رسول الله المنكر.
،ويجب على كل مسلم أن يصارم المستهزئين بدين الله وبما جاء به الرسول ولو كانوا أقرب الناس إليه، وأن لا يجالسهم، لئلا يكون منهم؛ كما قال الله -جلا وعلا-: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً(140))( ).
فمن سمع آيات الله يكفر بها، ويستهزأ بها وهو جالس معهم مع رضاه بالجلوس معهم، فهو مثلهم في الإثم والكفر والخروج عن الإسلام؛ كما قال –تعالى-: (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ)( )، أي: شبهاءهم ونظراءهم.
* * * * *

الناقض السابع من نواقض الإسلام

قال -رحمه الله -: ((السحر، ومنه الصرف والعطف، فمن فعله أو رضي به؛ كفر، والدليل قول الله: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُر)( ))).
السحر يُطلق في اللغة على ما خفي ولطف مأخذه ودق.
ومنه قول العرب في الشيء إذا كان شديداً خفاؤه: "أخفى من السحر".
ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري:
جعلت علامات المودة بيننا
فأعرف منها الوصل في لين طرفها
مصائد لحظ هن أخفى من السحر وأعرف منها الهجر في النظر الشزر

وتعريفه في الشرع: عُقدٌ ورقى يتوصل بها الساحر إلى استخدام الشياطين لتضر المسحور.
وقيل في تعريفه غير ذلك.
ولكن قال الشنقيطي -رحمه الله-: "اعلم أن السحر لا يمكن حدُّه بحد جامع مانع؛ لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها يكون جامعاً لها مانعاً لغيرها، ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حدة اختلافاً متبايناً"( ).
ومن السحر الصرف والعطف:
فالصرف: صرف الرجل عما يهواه؛ كصرفه مثلاً عن محبة زوجته إلى بغضها.
والعطف: عمل سحري كالصرف، ولكنه يعطف الرجل عما لا يهواه إلى محبته بطرق شيطانية.
والسحر محرم في جميع شرائع الرسل.
* * * * *

فصل

تتعلق بالسحر عدة مسائل، نذكرها مع إردافها بشيء من أقوال العلماء؛ لأهمية هذا الباب، ولانتشاره في غالب أقطار الأرض. فنقول:
المسألة الأولى: هل للسحر حقيقة؟
قد دل قوله -جل وعلا-: (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ(4))( ) على أن للسحر حقيقة، وإلا، لم يأمر الله بالاستعاذة منه.
وكذلك قوله -تعالى-: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ)( )، فهذه الآية تدل عل أن للسحر حقيقة تكون سبباً للتفريق بين المرء وزوجه.
ومما يدل أيضاً على أن له حقيقة: حديث عائشة -رضي الله عنها-: سُحرَ، حتى إنه ليُخيل إليه أنه يفعل الشيء وما يفعله، وأنه قال لها"أن النبي ذات يوم: أتاني ملكان، فجلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب. قال: من طبَّه؟ قال: لبيد ابن الأعصم في مشط ومشاطة، وفي جف طلعة في بئر ذروان".
رواه: الإمام أحمد والبخاري، ومسلم، وغيرهم.
وهذا القول هو قول أهل السنة، وعليه جمهور علماء المسلمين.
وذهب بعضهم إلى أنه لا حقيقة له، وهو مذهب المعتزلة المنعزلة عن الكتاب والسنة، واستدلوا بقوله -تعالى-: (يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى(66))( )، ولم يقل: تسعى على الحقيقة, وقالوا: إن السحر إنما هو تمويه وتخيل وإيهام لكون الشيء لا حقيقة له، وأنه ضربٌ من الشعوذة!
قال العلامة ابن القيم رحمه الله( ): "وهذا خلاف ما تواترت به الآثار عن الصحابة والسلف، واتفق عليه الفقهاء وأهل التفسير والحديث وأرباب القلوب من أهل التصوف، وما يعرفه عامة العقلاء، والسحر الذي يؤثر مرضاً وثقلاً وحلاًّ وعقداً وحبًّا وبغضاً وتزييفاً وغير ذلك من الآثار موجود تعرفه عامة الناس.." إلخ كلامه.
وقال القرطبي بعدما ذكر قول المعتزلة واستدلالهم: "وهذا لا حجة فيه؛ لأنا لا ننكر أن يكون التخيل وغيره من جملة السحر، ولكن ثبت وراء ذلك أمور جوَّزها العقل، وورد بها السمع:
فمن ذلك ما جاء في هذه الآية من ذكر السحر وتعليمه (يعني: قوله -تعالى-: (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) الآية( ))، ولو لم يكن له حقيقة؛ لم يمكن تعليمه، ولا أخبر أنهم يعلمونه الناس، فدل على أن له حقيقة.
وقوله -تعالى- في قصة فرعون: (وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ(116))( ).
وسورة الفلق، مع اتفاق المفسرين على أن سبب نزولها ما كان من سحر لبيد بن الأعصم".
ثم ساق الحديث قال لما حل السحر: "إن الله شفاني" والشفاء-وقدمناه- ثم قال: "وفيه أن النبي إنما يكون برفع العلة وزوال المرض، فدل على أن له حقًّا وحقيقة، فهو مقطوع به، بإخبار الله تعالى ورسوله عن وجوده ووقوعه، وعلى هذا أهل الحل والعقد الذين ينعقد بهم الإجماع، ولا عبرة مع اتفاقهم بحثالة المعتزلة ومخالفتهم أهل الحق.." إلخ.
المسألة الثانية: في حكم الساحر:
اختلف العلماء رحمهم الله في الساحر: هل يكفر أم لا؟
ظاهر كلام المصنف -رحمه الله- أنه يكفر؛ لقوله -تعالى-: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ)( )، وهو مذهب الإمام أحمد -رحمه الله- ومالك وأبي حنيفة، وعليه الجمهور.
وذهب الشافعي -رحمه الله- إلى أنه إذا تعلم السحر، يقال له: صف لنا سحرك. فإن وصف ما يستوجب الكفر -مثل سحر أهل بابل من التقرب للكواكب، وأنها تفعل ما يطلب منها-؛ فهو كافر، وإن كان لا يصل إلى حد الكفر واعتقد إباحته، فهو كافر لاستحلاله المحرم، وإلا؛ فلا.
وقال العلامة الشنقيطي رحمه الله: "التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل:
فإن كان السحر مما يُعظم فيه غير الله، كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدَّى إلى الكفر؛ فهو كفر بلا نزاع، ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة البقرة؛ فإنه كفر بلا نزاع؛ كما دل عليه قوله -تعالى-: (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ)( )، وقوله -تعالى-: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ)( )، وقوله -تعالى-: (وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ)( )، وقوله -تعالى-: (وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى(69))( ).
وإن كان السحر لا يقتضي الكفر؛ كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها؛ فهو حرام حرمة شديدة، ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر.
وهذا هو التحقيق إن شاء الله( ) تعالى في هذه المسألة التي اختلف فيها العلماء" اهـ كلامه رحمه الله.
واعلم أن الساحر على كلا الحالتين يجب قتله على القول الصحيح، لأنه مفسد في الأرض، يفرق بين المرء وزوجه، وبقاؤه على وجه الأرض فيه خطر كبير وفساد عظيم على الأفراد والمجتمعات ففي قتله قطع لفساده وإراحة للعباد والبلاد من خبثه، وسيأتي إن شاء الله أنه ليس بين الصحابة اختلاف في قتل الساحر.
المسألة الثالثة: في قتل الساحر والساحرة:
قد اختلف العلماء -رحمهم الله- في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: وهو قول الجمهور: إنه يقتل، وبه قال مالك وأحمد رحمهما الله.
القول الثاني: إنه لا يقتل إلا إذا عمل عملاً يبلغ به الكفر، وهو قول الشافعي رحمه الله.
واحتج أصحاب القول الأول بأدلة:
- منها ما رواه الترمذي والحاكم وابن عدي والدار قطني وغيرهم من طريق إسماعيل بن مسلم المكي عن : "حد الساحر ضربه بالسيف".الحسن عن جندب؛ قال: قال رسول الله
قال الترمذي: "لا نعرفه مرفوعاً إلا من هذا الوجه، وإسماعيل بن مسلم المكي يضعف في الحديث، والصحيح عن جندب موقوف".
قلت: وإسماعيل بن مسلم: قال عنه أحمد منكر الحديث وقال ابن معين ليس بشيء. وقال الذهبي: (متفق على تضعيفه).
- واستدلوا أيضاً بما رواه أحمد وغيره بسند صحيح عن بجالة؛ قال: "أتانا كتاب عمر قبل موته بسنة: أن اقتلوا كل ساحر, (وربما قال سفيان: وساحرة)، وفرقوا بين كل ذي محرم من المجوس، وانهوهم عن الزمزة. فقتلنا ثلاث سواحر.." الحديث( ).
- واستدلوا أيضاً بما جاء عن حفصة -رضي الله عنها- أنها أمرت بقتل جارية لها سحرتها.
وهذا الأثر رواه مالك في "الموطأ" وسنده منقطع، ورواه عبد الله بن الإمام أحمد في "المسائل" والبيهقي عنها بسند صحيح، وصححه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في "كتاب التوحيد".
وهذا القول -وهو قتل الساحر مطلقاً- هو الصواب، ولا يُعلَم لعمر وجندب وحفصة -رضي الله أنه قال: "اقتدوا باللذين من بعدي: أبيعنهم- مخالف من الصحابة، وقد جاء عن النبي بكر وعمر( )، وقال: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه"( )، وهذا حديث صحيح.
وأما الذين قالوا: إن الساحر لا يقتل إذا لم يبلغ بسحره الكفر، فاستدلوا بقول : "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس،النبي والتارك لدينه المفارق للجماعة".
رواه: البخاري، ومسلم. وفي الاستدلال به نظر من وجوه كثيرة.
للبيد بن الأعصم، فهو خشية إثارة الفتنة،وأما عدم قتل النبي والله أعلم، مع أن بعض العلماء قال: هذا خاص بالذمي، والصواب أن الذمي والمسلم سواء في قتلهم.
المسألة الرابعة: حل السحر عن المسحور:
وهي النشرة.
قال العلامة ابن القيم -رحمه الله-: "حل السحر عن المسحور نوعان:
أحدهما: حل بسحر مثله، وهو الذي من عمل الشيطان، وعليه يحمل قول الحسن (وهو: لا يحل السحر إلا ساحر)، فيتقرب الناشر والمنتشر إلى الشيطان بما يحب، فيبطل عمله عن المسحور.
والثاني: النشرة بالرقية والتعويذات والأدوية والدعوات المباحة؛ فهذا جائز".
أما ما رواه البخاري في "صحيحه" معلقاً: "عن قتادة: قلت لابن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته؛ أيحل عنه أو ينشر؟ قال لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح، فأما ما ينفع، فلم ينه عنه".
فهو محمول على نوع من النشرة لا محذور فيه؛ لأن الحديث أنه قال لما سُئل عن النشرة: "هي من عمل الشيطان".قد صح عن النبي
رواه أحمد في "مسنده"( ) وأبو داود من طريق أحمد عن عبد الرزاق حدثنا عقيل بن معقل سمعت وهب به، وسنده حسن.بن منبه يحدث عن جابر عن النبي
وأما الذهاب إلى السحرة والكهان والمنجمين والعرافين لسؤالهم فهذا جرم عظيم وخطأ كبير، يترتب عليه عدم قبول صلاة أربعين ليلة، لما روى مسلم في صحيحه (2230) من حديث يحيى بن سعيد عن عبيد الله قال: "من أتى عرافاً فسأله عن شيء عن النبي عن نافع عن صفية عن بعض أزواج النبي لم تقبل له صلاة أربعين ليلة".
وأما إن سألهم وصدّقهم فهو كافر بما أنزل على لما رواه الحاكم (1/8) بسند صحيح من طريق عوف عن خلاس ومحمد عن أبينبينا محمد :" من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه فيما يقول فقد كفر بماهريرة قال قال رسول الله وروى البزار (2/443) بسند صحيح عن ابن مسعود موقوفاً " من أتىأنزل على محمد .كاهناً أو ساحراً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد
* * * * *

الناقض الثامن من نواقض الإسلام



الناقض الثامن من نواقض الإسلام

قال رحمه الله: ((مظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله -تعالى-: (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(51))( ).
قوله: "المظاهرة"، أي: المناصرة.
ومظاهرة المشركين ومعاونتهم على المسلمين فتنة عظيمة قد عمت فأعمت، ورزية رمت فأصمت، وفتنة دعت القلوب فأجابها كل قلب مفتون بحب المشركين، ولا سيما في هذا الزمن، الذي كثر فيه الجهل، وقل فيه العلم، وتوفرت فيه أسباب الفتن، وغلب الهوى واستحكم، وانطمست أعلام السنن والآثار.
وعندي أن هذا كله بسبب الإعراض عن تعلم العلوم الشرعية، والإقبال على تعلم العلوم اليونانية والفلسفية، فلا حول ولا قوة إلا بالله، عاد المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، نشأ على هذا الصغير، وهرم عليه الكبير، فصاحب الحق اليوم غريب بين الناس، غريب بين أهله، إن طلب مساعداً، لم يجده، وإن طلب صاحب سنة، لم يحصله إلا بكلفة ومشقة، استحكمت غربة الإسلام، وعاد الإسلام غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، الذين يصلحون ما أفسد الناس.
ومن ذلك( ) التحذير من مظاهرة المشركين على المسلمين ومعاونتهم؛ لأن مظاهرتهم ردة عن الإسلام.
وقد سُئل العلامة عبد الله بن عبد اللطيف عن الفرق بين الموالاة والتولي؟ فأجاب بأن التولي: "كفر يخرج عن الملة، وهو كالذَّبِّ عنهم وإعانتهم بالمال والبدن والرأي".
ولو أن المسلمين صاروا يداً واحده على هؤلاء الطغاة المجرمين، وتناصروا فيما بينهم وتعاونوا، لصار للإسلام والمسلمين شأن غير ما نحن فيه الآن، ولصار الكفار أذلاء، ولأصحابه عن يد وهم صاغرون , ثم اعلميدفعون الجزية كما كانوا يدفعونها للنبي أنَّ إعانة الكفار تكون بكل شيء يستعينون به ويتقوون به على المسلمين من عَدَدٍ وعُدَد.
* * * * *

الناقض التاسع من نواقض الإسلام

قال رحمه كما وسع الخضر الخروجالله: ((من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد عن شريعة موسى عليه السلام فهو كافر)).
وذلك لتضمنه تكذيب قول الله تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)( ).
وأخرج أحمد وأبو داود والطيالسي خطًّا، ثموالدارمي وغيرهم عن ابن مسعود -رضي الله عنه-؛ قال "خط لنا رسول الله قال: "هذا سبيل الله" ثم خط خطوطاً عن يمينه وعن شماله، ثم قال: "هذه سبل متفرقة، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"، ثم قرأ: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)( ).
وأخرجه الحاكم وقال: "صحيح الإسناد".
، أوفمن رغب الخروج عن شريعة محمد ظن الاستغناء عنها؛ فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه.
وقد بوب الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في "فضل الإسلام" باباً عظيماً، فقال:
"(باب وجوب الاستغناء بمتابعة الكتاب عن كل ما سواه)":
،ولا شك أن الكتاب يأمرنا بمتابعة الرسول وعدم الخروج عن طاعته، بل إن الخروج عن طاعته من الأسباب الموجبة للنار؛ كما في :"مسند أحمد" و"صحيح البخاري" عن أبي هريرة -رضي الله عنه-؛ قال: قال رسول الله "كل أمتي يدخلون الجنة؛ إلا من أبى". قالوا: ومن يأبى يا رسول الله؟ قال: "من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى".
ثم ساق الشيخ -رحمه الله- قوله -تعالى-: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ) الآية( ).
روى : أنه رأى في يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ورقة منالنسائي وغيره عن النبي التوراة، فقال: أمتهوكون يا ابن الخطاب؟! لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيًّا، واتبعتموه، وتركتموني، لضللتم".
وفي رواية: "ولو كان موسى حيًّا، ما وسعه إلا اتباعي". فقال عمر: رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيًّا.
والأدلة على هذاوهذا الحديث نص على أنه لا يسع أحداً الخروج عن شريعة محمد كثيرة.
ولما كان الصحابة رضي الله عنهم أعلم الناس بالله، وأقوى الناس إيماناً؛ ما كانوا يعرفون غير اتباعه واحترامه وتوقيره واتباع النور الذي أنزل إليه، وما ذاك إلا لأن الله اصطفاهم لصحبة نبيه؛ فقد أخرج الإمام أحمد والبزار وغيرهما بسند حسن عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه؛ قال: "إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، فابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد،محمد فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه فما رأى المسلمون حسناً؛ فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئاً؛ فهو عند الله سيئ".
وافترض الله على جميع الناس طاعته، فمنهم من أطاع، ومنهم من عصى.
وانقسمت الأمة إلى قسمين:
أ- أمة إجابة، وهم الذين أطاعوه واتبعوا النور الذي معه.
ب- وأمة دعوة، وهم الذين استكبروا عن طاعته ومتابعته.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- بعد كلام سبق( ): "ومن هؤلاء من يظن أن الاستمساك بالشريعة أمراً ونهياً إنما يجب عليه ما لم يحصل له من المعرفة أو الحال، فإذا حصل له؛ لم يجب عليه حينئذ الاستمساك بالشريعة النبوية، بل له حينئذ أن يمشي مع الحقيقة الكونية القدرية، أو يفعل بمقتضى ذوقه ووجده وكشفه ورأيه؛ من غير اعتصام بالكتاب والسنة، وهؤلاء منهم من يعاقب بسلب حاله حتى يصير منقوصاً عاجزاً محروماً، ومنهم من يعاقب بسلب الطاعة حتى يصير فاسقاً، ومنهم من يعاقب بسلب الإيمان حتى يصير مرتداً منافقاً أو كافراً معلناً، وهؤلاء كثيرون جدًّا، وكثير من هؤلاء يحتج بقصة موسى والخضر".
وقال -رحمه الله- بعد هذا الكلام بورقة: "وأما احتجاجهم بقصة موسى والخضر، فيحتجون بها على وجهين:
أحدهما: أن يقولوا: إن الخضر كان مشاهداً الإرادة الربانية الشاملة والمشيئة الإلهية العامة -وهي الحقيقة الكونية- فلذلك سقط عنه الملام فيما خالف فيه الأمر والنهي الشرعي، وهو من عظيم الجهل والضلال، بل من عظيم النفاق والكفر؛ فإن مضمون هذا الكلام: أن من آمن بالقدر، وشهد أن الله رب ك شيء؛ لم يكن عليه أمر ولا نهي وهذا كفر بجميع كتب الله ورسوله وما جاؤوا به من الأمر والنهي.. إلخ.
وأما الوجه الثاني: فإن من هؤلاء من يظن أن من الأولياء من يسوغ له الخروج عن الشريعة النبوية كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى، وأنه قد يكون للولي في المكاشفة والمخاطبة ما يستغني به عن متابعة الرسول في عموم أحواله أو بعضها، وكثير منهم يفضل الولي في زعمه -إما مطلقاً وإما من بعض الوجوه- على النبي؛ زاعمين أن في قصة الخضر حجة لهم.
وكل هذه المقالات من أعظم الجهالات والضلالات، بل من أعظم أنواع النفاق والإلحاد والكفر، فإنه قد عُلم بالاضطرار من دين الإسلام أن رسالة محمد بن لجميع الناس؛ عربهم وعجمهم، وملوكهم وزهادهم؛عبد الله وعلمائهم وعامتهم، وأنها باقية دائمة إلى يوم القيامة، بل عامة الثقلين الجن والإنس، وأنه ليس لأحد من الخلائق الخروج عن متابعته وطاعته وملازمته ما يشرعه لأمته من الدين، وما سنه لهم من فعل المأمورات وترك المحظورات، بل لو كان الأنبياء المتقدمون قبله أحياء؛ لوجب عليهم متابعته ومطاوعته".
إلى أن قال رحمه الله: "بل قد ثبت بالأحاديث الصحيحة: أن المسيح عيسى ابن مريم: إذا نزل من السماء؛ فإنه يكون متبعاً لشريعة محمد بن عبد .الله
يجب اتباعه ونصره على من يدركه من الأنبياء؛ فكيف بمنفإذا كان دونهم؟!
بل مما يُعلم بالاضطرار من دين الإسلام أنه لا يجوز لمن بلغته دعوته أن يتبع شريعة رسول غيره؛ كموسى وعيسى؛ فإذا لم يجز الخروج عن شريعته إلى شريعة رسول فكيف بالخروج عنه والرسل..".
إلى أن قال: "ومما يبين الغلط الذي وقع لهم في الاحتجاج بقصة موسى والخضر على مخالفة الشريعة: أن موسى عليه السلام لم يكن مبعوثاً إلى الخضر، ولا أوجب الله على الخضر متابعته وطاعته، بل قد ثبت في "الصحيحين" أن الخضر قال له: يا موسى! إني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، وأنت على علم من علم الله علمكه الله لا أعلمه"، وذلك أن دعوة موسى كانت خاصة.
وقد ثبت : أنه قال فيما فضله الله به على الأنبياء؛ قال:في الصحاح من غير وجه عن النبي "كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة".
شاملةفدعوة محمد لجميع العباد، ليس لأحد الخروج عن متابعته وطاعته، ولا استغناء عن رسالته، كما ساغ للخضر الخروج عن متابعة موسى وطاعته؛ مستغنياً عنه بما علمه الله، وليس لأحد ممن أدركه الإسلام أن يقول لمحمد: إنني على علم من علم الله علمنيه الله لا تعلمه، ومن سوغ هذا، أو اعتقد أن أحداً من الخلق الزهاد والعباد أو غيرهم له الخروج عن دعوة ومتابعته؛ فهو كافر باتفاق المسلمين، ودلائل هذا في الكتاب والسنة أكثر منمحمد أن تذكر هنا.
وقصة الخضر ليس فيها خروج عن الشريعة، ولهذا؛ لما بين الخضر لموسى الأسباب التي فعل لأجلها ما فعل؛ وافقه موسى، ولم يختلفا حينئذ، ولو كان ما فعله الخضر مخالفاً لشريعة موسى، لما وافقه.." اهـ المقصود من كلامه رحمه الله، وفيه البيان الشافي في هذه المسألة العظيمة.
وبهذا يتبن أنه لا يجوز لأحد أن يدعي الخروج عن شريعة محمد، كما يدعيه غلاة الصوفية، ويفسرون قوله -تعالى-: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99))( )؛ أي: العلم والمعرفة، ويجوزون لمن ، ويسقطون عنه التكاليف، وهذا كفر وخروجحصل عنده علم ومعرفة الخروج عن شريعة محمد عن الإسلام باتفاق العلماء.
وما أحسن ما قاله العلامة ابن القيم في "نونيته":
فالكفر ليس سوى العناد ورد ما
فانظر لعلك هكذا دون التي
جاء الرسول به لقول فلان
قد قالها فتبوء بالخسران

فإذا كان رد ما جاء به الرسول كفراً، فكيف بالخروج عن شريعته بالكلية؟ فالله المستعان.

الناقض العاشر من نواقض الإسلام

قال رحمه الله: ((الإعراض عن دين الله تعالى؛ لا يتعلمه، ولا يعمل به، والدليل قوله –تعالى-: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ(22))( ).
والمراد بالإعراض الذي هو ناقض من نواقض الإسلام: هو الإعراض عن تعلم أصل الدين الذي به يكون المرء مسلماً، ولو كان جاهلاً بتفاصيل الدين؛لأن هذا قد لا يقوم به إلا العلماء وطلبة العلم.
وقد سُئل العلامة الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن عن الإعراض الذي هو ناقض من نواقض الإسلام؟
فأجاب: "إن أحوال الناس تتفاوت تفاوتاً عظيماً، وتفاوتهم بحسب درجاتهم في الإيمان إذا كان أصل الإيمان موجوداً، والتفريط والشرك إنما هو فيما دون ذلك من الواجبات والمستحبات، وأما إذا عدم الأصل الذي يدخل به في الإسلام، وأعرض عن هذا بالكلية؛ فهذا كفر إعراض، فيه قوله -تعالى-: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالأِنْسِ) الآية( )، وقوله -تعالى-: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً) الآية( ).
قال الشيخ العلامة سليمان بن سحمان: "فتبين من كلام الشيخ أن الإنسان لا يكفر إلا بالإعراض عن تعلم الأصل الذي يدخل به الإنسان في الإسلام، لا بترك الواجبات والمستحبات"( ).
وقال العلامة ابن القيم -رحمه الله- في "مدارج السالكين": "وأما الكفر الأكبر؛ فخمسة أنواع".
فذكرها، ثم قال: "وأما كفر الإعراض، فأنه يُعرض بسمعه وقلبه عن الرسول؛ لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه ولا يعاديه، ولا يصغى إلى ما جاء به البتة" اهـ كلامه.
ومن هذا البيان لمعنى الإعراض يتبين لك حكم كثير من عباد القبور في زماننا هذا وقبله؛ فإنهم معرضون عما إعراضاً كليًّا بأسماعهم وقلوبهم، لا يصغون لنصح ناصح وإرشاد مرشد،جاء به الرسول فمثل هؤلاء كفار لإعراضهم.
قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (3))( ).
ولا يقال: إنهم جهال فلا يكفرون لجهلهم؛ لأنه يقال: إن الجاهل إذا بُيِّن له خطؤه؛ انقاد للحق، ورجع عن الباطل، وهؤلاء مصرون على ويصدون عن إرشاد الناصحينعبادتهم الأوثان، ولا يصغون لكلام الله ولا لكلام رسوله صدوداً، ولعلهم يتعرضون بالأذى لمن أنكر عليهم أباطيلهم وفجورهم، فقد قامت عليهم الحجة؛ فلا عذر لهم سوى العناد.
قال –تعالى-: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ(22))( ).
* * * * *

حكم الهازل والجاد والخائف والمكره

ثم إن المصنف -رحمه الله- لما ذكر هذه النواقض العشرة، قال بعدها: "ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف( )، إلا المكره".
ودليل العذر بالإكراه: قوله -تعالى- (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(106))( ).
والإكراه يكون بالقول والفعل؛ خلافاً لمن قال: إن الأفعال لا يكون فيها إكراه، فإن هذا خلاف ظاهر الآية.
ثم قال الشيخ -رحمه الله-: "وكلها من أعظم ما يكون خطراً وأكثر ما يكون وقوعاً".
* * * * *


خاتمة
ونختم هذا الشرح بما قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في "كشف الشبهات"؛ فإنه كلام، عظيم، يبين ما تقدم ويزيل اللبس والإشكال، لكثرة الواقعين فيه؛ لإعراضهم عن تعلم دينهم، وما أوجب الله عليهم.
قال -رحمه الله-: "لا خلاف أن التوحيد لابد أن يكون بالقلب واللسان والعمل، فإن اختل شيء من هذا؛ لم يكن الرجل مسلماً.
فإن عرف التوحيد ولم يعمل به؛ فهو كافرٌ معاندٌ؛ كفرعون وإبليس وأمثالهما، وهذا يغلط فيه كثيرٌ من الناس؛ يقولون: هذا حق، ونحن نفهم هذا، ونشهد أنه الحق، ولكنا لا نقدر أن نفعله، ولا يجوز عند أهل بلدنا؛ إلا من وافقهم.. أو غير ذلك من الأعذار، ولم يدر المسكين أن غالب أئمة الكفر يعرفون الحق ولم يتركوه إلا لشيء من الأعذار؛ كما قال -تعالى-: (اشْتَرَوْا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً)( ) وغير ذلك من الآيات؛ كقوله: (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ)( ).
فإن عمل بالتوحيد عملاً ظاهراً وهو لا يفهمه أو لا يعتقده بقلبه؛ فهو منافق، وهو شر من الكافر الخالص: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ)( ).
وهذا المسألة مسألة كبيرة طويلة، تتبين لك إذا تأملتها في ألسنة الناس، ترى من يعرف الحق ويترك العمل به، لخوف نقص دنيا أو جاه( ) أو مداراةٍ لأحد، وترى من يعمل به ظاهراً، لا باطناً فإذا سألته عما يعتقد بقلبه؛ فإذا هو لا يعرفه.
ولكن عليك بفهم آيتين من كتاب الله:
أولاهما: قوله -تعالى-: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ)( ).
فإذا تحققت أن بعض الصحابة الذين غزوا كفروا بسبب كلمة قالوها على وجه المزح واللعب؛ تبين لك أن الذيالروم مع الرسول يتكلم بالكفر أو يعمل به خوفاً من نقص مالٍ أو جاه أو مداراة لأحد أعظم ممن يتكلم بكلمة يمزح بها.
والآية الثانية: قوله -تعالى-: (مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالأِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ)( ).
فلم يعذر الله من هؤلاء إلا من أكره مع كون قلبه مطمئناً بالإيمان، وأما غير هذا؛ فقد كفر بعد إيمانه، سواء فعله خوفاً أو طمعاً أو مداراة أو مشحة بوطنه أو أهله أو عشيرته أو ماله أو فعله على وجه المزح أو لغير ذلك من الأغراض؛ إلا المكره؛ فالآية تدل على هذا من وجهين:
الأول: قوله: (إلا مَنْ أُكْرِهَ): فلم يستثن الله –تعالى- إلا المكره، ومعلوم أن الإنسان لا يكره إلا على الكلام أو الفعل، وأما عقيدة القلب؛ فلا يكره عليها أحد.
الثاني: قوله –تعالى-: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ): فصرح أن هذا الكفر والعذاب لم يمن بسبب الاعتقاد أو الجهل أو البغض للدين أو محبة الكفر، وإنما سببه أن له في ذلك حظًّا من حظوظ الدنيا، فآثره على الدين، والله سبحانه أعلم".
* * * * *
اخترنا لك من الكتب