التـــــوكيــــــد في وجوب الإعتناء بالتوحيد

  • تاريخ النشر : 2013-04-25
  • المصدر : نقلاً عن موقع منبر التوحيد

2026

عدد الزيارات :


بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة و السّلام على رسولنا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين .

السلام عليكم و رحمة الله و بركاته.


التـــــوكيــــــد في وجوب الإعتناء بالتوحيد

للشيخ سليمان بن ناصر العلوان فك الله أسره


بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد:

فإن التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، أعظمُ ما صُرفَت إليه الهمم، وصُرِفت نفائس الأوقات من أجله، لأن به سعادة المسلم وبجهله وتركه شقاوته فلا بد لكل عبد أن يعرف التوحيد الذي فرضه الله عليه كما أنه يجب معرفة ضده وإلا وقع المرء في الشرك وهو لا يشعر.

والضد يظهر حسنه الضد *** وبضدها تتبين الأشياء

ومن لم يعرف الشرك لا بد أن يقع فيه كما هو مُشاهد من كثير من أهل البلاد التي تدّعي الإسلام يطوفون حول القبور، ويتقربون إلى أصحابها بأعظم القربات، وينذرون وينحرون لهم، ويستعينون بهم، ويستعيذون بهم، ويسألونهم إغاثة اللهفان وإزالة الكربات وكشف الملمّات –نعوذ برب الأرض والسموات-. ومع ذلك يدّعون الإسلام؟ بله ذلك بل يدعون أنهم حماته وأنصاره جهلاً وضلالاً وإعراضاً عن تعلم ما أوجب الله عليهم فإنا لله وإنا إليه راجعون وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ولما كان الأمر كما وصفنا وذكرنا وجب التنبيه والتفطن لأمر عظيم. كثير من الناس عنه غافلون أو معرضون. ألا وهو نشر التوحيد ويبانه للناس على وجهه الصحيح الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يبلغه أمته خصوصاً. توحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات، فأما توحيد الربوبية وهو الإقرار والاعتراف بأن الله هو الخالق الرازق المدبر فقد أقر به مشركو قريش. مع عظم شركهم[1]. قال تعالى: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) [لقمان، آية: 25].

ومع ذلك وجد في هذا الزمان من لا يقر بتوحيد الربوبية الذي أقر به المشركون[2]. ولكن التوحيد الذي أُرسلت به الرسل هو توحيد الإلهية بأن يُفرد الله وحده بجميع أنواع العبادات وهو متضمن لتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات[3].

"فصل"

كان النبي صلى الله عليه وسلم يشيد بالتوحيد تعظيماً لشأنه واهتماماً بمقامه حتى في مرض موته وما ذاك إلا لأهميته ويقول: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" متفق عليه من حديث عائشة.

والنبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك محذراً لنا أن نفعل كفعلهم فيحل علينا اللعن كما حل عليهم لأن اتخاذ القبور مساجد من أعظم وسائل الشرك.

ولما اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم وجعه، قال: "ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده" قال عمر: إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا فاختلفوا وكثر اللغط. قال صلى الله عليه وسلم: "قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع" متفق عليه من حديث ابن عباس.

وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم ولم يوص ولكن لو أوصى لما عدل عن الوصية بالتوحيد.

يدل على ذلك ما رواه الترمذي وغيره بسند حسن عن ابن مسعود –رضي الله عنه قال: "من سرّه أن ينظر إلى وصية محمد صلى الله عليه وسلم النبي عليها خاتمه فليقرأ قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً) إلى قوله: (لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)[4].

والنبي صلى الله عليه وسلم لم يوص ولكن لو أصى لما أوصى إلا بالتوحيد كما ذكر ذلك ابن مسعود –رضي الله عنه-.

وآية الأنعام التي ذكرها ابن مسعود مشتملة على بيان التوحيد والنهي عن ضده. وهذا من الصحابي الجليل دليل على تعظيم مقام التوحيد وبيان أهميته، وأن المرء مهما بلغ من العلم والدين فهو محتاج إلى التوحيد لا غنى للمرء عنه، وفيه بيان خطأ كثير من الناس في هذا الزمان من قولهم إن الناس اليوم لا يحتاجون لبيان التوحيد لأنهم في بلاد إسلامية خالية من الشرك، وهذا جهل صرف من قائله. لو سلمت له دعواه وإلا فكيف وهي دعوى مجردة لا حقيقة لها. بل الشرك منتشر والبدع عمّت وطمّت فلا منكر ولا مستنكر فإلى الله المشتكى وبه المستغاث.

ومما يدلنا على أهمية التوحيد وعظمه أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا إليه عشر سنين وذلك قبل أن تُفرض عليه الفرائض تعظيماً لشأن التوحيد ولأن الله لا يقبل الأعمال إلا به. ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن قال: "فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله"[5]. ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مبدأ دعوته: "قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"[6]. ثم يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله"[7].

فهذا من أعظم ما يبين للمسلم ويوضح له احتياجه إلى التوحيد من نشأته إلى مماته. لأن حياته مبنية على التوحيد لأنه أعظم الواجبات وآكدها، وما بعث الله رسولاً ولا نبياً إلا ويدعو قومه إلى التوحيد وقد ذكر الله في كتابه العزيز عن كل الرسل أنهم يفتتحون دعوتهم لقومهم بقولهم: (اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ)، قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) [النحل، آية: 36].

وقال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء، آية: 25].

فلا إله إلا الله تتضمن إفراد الله بالتعظيم والخوف والرجاء والمحبة والإجلال وسائر أنواع العبودية وما أُرسلت الرسل إلا لتقرير هذا الأصل العظيم الذي هو أصل الدين.

وقد جاء في "مسند الإمام أحمد": (2/ 50) من طريق حسان بن عطية عن أبي منيب الجرشي عن ابن عمر –رضي الله عنهما-قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بُعثت بالسيف حتى يُعبد الله لا شريك له وجُعل رزقي تحت ظل رمحي وجُعل الذلة والصغار على من خالف أمري ومن تشبه بقوم فهو منهم".

ومما يدل أيضاً على عظم أمر التوحيد وأهميته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستفتح يومه بالتوحيد ويختم يومه بالتوحيد منبهاً على عظمه فكان يقرأ في ركعتي الفجر بـ"قل يا أيها الكافرون" و"قل هو الله أحد"[8].

ويقرأ في الركعتين بعد المغرب بهاتين السورتين[9] أيضاً. لما اشتملنا عليه من التوحيد، فسورة قل يا أيها الكافرون فيها البراءة من عبادة غير الله جل وعلا، وقل هو الله أحد مشتملة على توحيد الإلهية وتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.

"فصل"

ثم سار على هدي النبي صلى الله عليه وسلم صحابته الكرام الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه. فقاموا ببيان التوحيد أتم قيام واهتموا به أشد الاهتمام واعتنوا به أعظم الاعتناء لعلمهم أنه لا قوام للبلاد ولا للعباد إلا به فأسهروا ليلهم وأظمأوا نهارهم لبيانه كيف لا وقد شربوا مشرباً رِويًّا وتعلموا علماً شرعياً والوحي ينزل عليهم والنبي صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم بكرة وعشياً.

ففتحوا البلاد شرقاً وغرباً، ورفعوا فيها كلمة التوحيد والإخلاص "لا إله إلا الله" فاستقامت البلاد وانقمع أهل الشرك والإلحاد.

ثم درج على هذا المنهج التابعون وتابعوهم بإحسان وتحملوا عبئاً كبيراً في بيانه وتوضيحه فأصبحت القرون الثلاثة الأولى خير الناس علماً وعملاً.

ثم تخللت بعد ذلك فترات ظهرت فيها البدع والمنكرات واستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير إلى زمن شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله- فلما ظهر هذا الشيخ الجليل والعالم النبيل والفقيه الخرِّيت ورأى ما عليه أهل زمانه من كثرة البدع وانتشارها وجهل الكثير بالتوحيد شمّر عن ساق الدعوة. وبذل نفسه لبيان التوحيد الذي انطمست آثاره، وعفت رسومه، فلا يعرفه إلا القليل. فجاهد في الله حق جهاده، ودعا إلى التوحيد ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً بالقلم واللسان والسيف والسِّنان. وأبان لأهل زمانه التوحيد فسارت بدعوته الركبان وعلت كلمة الحق في سائر البلدان فنفع الله بدعوته أهل الإيمان. وشرق بها أهل الزيغ والأضغان.

ثم سار على منهجه جماعة من العلماء الأعلام ويبنوا للناس التوحيد أعظم بيان.

ثم حدث بعد ذلك ما شاء الله أن يحدث فظهرت الأمور المنكرات والبدع المهلكات والتوسلات البدعيات إلى أن أظهر الله الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب أجزل الله له الأجر والثواب وأدخله الجنة بغير حساب فدعا إلى التوحيد ونهى العباد عن التنديد برب العبيد وصنف كتابه المشهور "كتاب التوحيد حق الله على العبيد"، وضمنه ما يحتاج إليه المسلم من توحيد الإلهية، وتوحيد الربوبية، وتوحيد الأسماء والصفات، فانتفع به الصغير والكبير في سائر البلدان.

ثم بعد ذلك سار على منهجه أحفاده الهداة الأعلام وتلاميذهم أهل المعرفة والإتقان فدعوا العباد إلى ربهم ومعبودهم المرجو لكشف الملمّات وإغاثة اللهفات وإزالة الكربات حتى يحظوا بالشرب من حوض المبعوث رحمة للبريات فرحمهم الله رحمة واسعة إلى أن حدث في زماننا هذا خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، يدعون أن المسلم في هذا الزمان قد استغنى عن بيان التوحيد، وأن الناس اليوم لا حاجة بهم إلى الإطناب بذكره والإشادة بفضله لمعرفتهم إياه فضلوا وأضلوا (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً).

ولعل التوحيد عند هؤلاء الأقوام هو الإقرار والاعتراف بوجود فاطر الأرض والسموات فإن كان كذلك فهي مصيبة تنبئ عن جهلهم بما أُرسلت الرسل من أجله وأُنزلت الكتب لبيانه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية –رحمه الله-:
(التوحيد الذي جاءت به الرسل إنما يتضمن إثبات الإلهية لله وحده بأن يشهد أن لا إله إلا الله: لا يعبد إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يوالي إلا له، ولا يعادي إلا فيه، ولا يعمل إلا لأجله، وذلك يتضمن إثبات ما أثبته لنفسه من الأسماء والصفات) ثم ساق بعض الآيات وقال: (وليس المراد بالتوحيد مجرد توحيد الربوبية وهو اعتقاد أن الله وحده خلق العالم كما يظن ذلك من يظنه من أهل الكلام والتصوف. ويظن هؤلاء أنهم إذا أثبتوا ذلك بالدليل فقد أثبتوا غاية التوحيد وأنهم إذا شهدوا هذا وفنوا فيه فقد فنوا في غاية التوحيد. فإن الرجل لو أقرّ بما يستحقه الرب تعالى من الصفات، ونزهه عن كل ما ينزه عنه. وأقر بأنه وحده خالق كل شيء: لم يكن موحداً حتى يشهد أن لا إله إلا الله وحده فيقر بأن الله وحده هو الإله المستحق للعبادة، ويلتزم بعبادة الله وحده لا شريك له "والإله" هو المألوه المعبود الذي يستحق العبادة. وليس هو الإله بمعنى القادر على الاختراع، فإذا فسّر المفسر "الإله" بمعنى القادر على الاختراع واعتقد أن هذا المعنى هو أخص وصف الإله. وجعل أثبات هذا هو الغاية في التوحيد كما يفعل ذلك من يفعله من متكلمة الصفاتية وهو الذي يقولونه عن أبي الحسن وأتباعه لم يعرفوا حقيقة التوحيد الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم. فإن مشركي العرب كانوا مقرين بأن الله وحده خالق كل شيء وكانوا مع هذا مشركين قال تعالى: (وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ) [يوسف، آية: 106].

قال طائفة من السلف "تسألهم من خلق السموات والأرض فيقولون الله وهم مع هذا يعبدون غيره" قال تعالى: (قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ، قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ، قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ) [المؤمنون، الآيات: 84-89].

فليس كل من أقر بأن الله رب كل شيء وخالقه يكون عابداً له دون ما سواه داعياً له دون ما سواه راجياً له خائفاً منه دون ما سواه يوالي فيه ويعادي فيه ويطيع رسله ويأمر بما أمر به وينهى عما نهى عنه. وعامة المشركين أقروا بأن الله خالق كل شيء وأثبتوا الشفعاء الذين يشركونهم به وجعلوا لله أنداداً.

قال تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لَا يَمْلِكُونَ شَيْئاً وَلَا يَعْقِلُونَ، قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً لَّهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [الزمر، الآيتان: 43، 44].

وقال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَـؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ) [يونس، آية: 18].

وقال تعالى: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُم مَّا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاء ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاء لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ) [الأنعام، آية: 94].

وقال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ) [البقرة، آية: 195].

ولهذا كان من أتباع هؤلاء من يسجد للشمس والقمر والكواكب ويدعوها ويصوم وينسك لها ويتقرب إليها ثم يقول إن هذا ليس بشرك إنما الشرك إذا اعتقدت أنها المدبّرة لي فإذا جعلنها سبباً وواسطة لم أكن مشركاً. ومن المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام أن هذا شرك)اهـ.

وإن كان التوحيد عند هؤلاء الأقوام هو إفراد الله بالعبادة وهو التوحيد الذي أُرسلت الرسل من أجله وأنزلت الكتب لبيانه.

فهل من التوحيد: الطواف على القبور كما يفعل في زماننا هذا وقبله عند البدوي وغيره؟

وهل من التوحيد: النذر للأولياء والصالحين كما يفعل في بعض البلدان؟ وهل من التوحيد: الذبح للجن وغيرهم كما يفعل في كثير من البلدن؟

وهل من التوحيد: محبة المشركين ومنابذة المؤمنين؟

وهل من التوحيد: إمداد المشركين بعَدَد وعُدَد ضد المسلمين؟

وهل من التوحيد: تحكيم القوانين الوضعية والإعراض عن حكم رب العالمين[10].

وهل من التوحيد: تقديم آراء الرجال على قول ربنا وخليله الأمين؟

وهل من التوحيد: تنظيم الربا في البنوك ومحاربة من يتعرض لها ودعمها وإمدادها بالأموال الطائلة خشية الانحطاط؟

وهل من التوحيد: السفر لديار المشركين لتعلم علومهم والشرب من مشربهم؟

وهل من التوحيد: رفع شعار الكفار في بلاد المسلمين؟

وهل من التوحيد: تحريف صفات الباري جل وعلا؟

وهل من التوحيد: إيواء دعاة عباد القبور؟

وهذه إشارات لما يقع في زماننا من المنكرات وهي غيض من فيض ومع ذلك قلّ أن تجد منكراً لذلك محذّراً عن ذلك. فحدث من جرّاء ذلك أمور منكرات نشأ عليها الصغير وهرم عليها الكبير.

قال ابن مسعود –رضي الله عنه-: "كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير ويتخذها الناس سنة إذا ترك منها شيء قيل تركت السنة. قالوا: متى ذاك؟ قال: إذا ذهبت علماؤكم وكثرت قراؤكم وقلّت فقهاؤكم وكثرت أمراؤكم وقلّت أبناؤكم والتمست الدنيا بعمل الآخرة وتفقه لغير الدين" رواه الدارمي (1/ 64)، والحاكم: (4/ 514) موقوفاً على ابن مسعود وله حكم الرفع لأنه أمر غيبي لا يقال من قبل الرأي.

وكل فقرة من فقرات هذا الآثر قد وقعت فعمّ الجهل وعظم الخطب ومع ذلك يدعي بعض الجهال أن الناس اليوم قد عرفوا التوحيد وأنهم ليسوا بحاجة إليه يا لها من كلمة عظيمة وزلة وخيمة. نسأل الله العافية والسلامة.

"فصل"

اعلم أخا الإيمان أن الناس اليوم في غربة وبعض الناس لا يشعر في هذه الغربة ولذلك هم بحاجة إلى معرفة التوحيد أكثر احتياجاً من الماء البارد وقت الظمأ. لأن كثيراً من الناس في سائر البلدان قد تلبسوا بالشرك وهم لا يشعرون. والبعض الآخر خصوصاً الحكّام استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير وحكموا غير شرع الله ورضوا بالقوانين الوضعية ووالوا أهل الشرك وقربوهم وعظموهم من أجل أطماع دنيوية فصدق فيهم قوله صلى الله عليه وسلم: "يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا"[11].

وأكثر الذين يدعون أن الناس ليسوا بحاجة إلى التوحيد الجهال الذين لا يعرفون حقيقة التوحيد. بل رضوا بما وجدوا عليه أباءهم من العادات والتقاليد خصوصاً إذا سلمت لهم مآكلهم ومشاربهم.

وهؤلاء مطالبون بالإفاقة من رقدتهم وعليهم أن يوسعوا نطاقهم فينظروا يميناً وشمالاً ماذا يجري على سطح الأرض من المنكرات.

الدّين غيِّر معظمه والسنة أُطفئت في غالب القرى والأمصار، والبدع حلّت مكان السنن عند جل العباد، والأحكام الإلهية غيرت واستبدلت بالأحكام الوضعية.

والمعابد النصرانية موجودة في كثير من البلدان التي تدعي الإسلام وأي كفر أعظم من إقرار المعابد الوثنية في ديار الإسلام والسكوت عنها ومداهنة أصحابها بل يحصل من بعضهم منافحة عنها وحشفاً وسوء كيله يستدل بقوله تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ) فيفسر الآية بغير تفسيرها المأثور عن السلف وهذا افتراء على الله وإلحاد في آيات الله وتحريف للكلم عن مواضعه..

والله لهؤلاء أخطر على الإسلام والمسلمين من اليهود والنصارى. وبلية الإسلام منهم. فهم لا يبالون بما جرى على الإسلام إذا سلمت لهم مآكلهم ومشاربهم ومع ذلك تجد الكثير ممن يتسمى باسم الإسلام يوالي هؤلاء ويربط معهم علاقات تؤكد محبته لهم وتأييده لأفعالهم الشنيعة. بينما الواجب أن يطبق فيهم حكم الله (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) أي وقاتلوهم حتى لا يكون شرك في الأرض بل يكون الدين كله لله والعبادة له وحده لاشريك له..

ولكن الولاء والبراء في هذا الزمان قد طوى بساطه وانطمست آثاره وسفت عليه السوافي. والولاء والبراء أصل من أصول العقيدة فلا دين إلا بولاء وبراء ومع ذلك قد أعرض عنه الكثير من أبناء هذا الزمان من علماء وطلبة علم فضلاً عن غيرهم من العوام ومن لا معرفة له بمدارك الأحكام ومن سبر أحوال الناس اليوم يعظم تعجبه من إهمالهم للولاء والبراء وتساهلهم في جانبه. بل هناك من الناس من لا يرفع به رأساً ويتكلف الصعاب لتأويل الآيات والأحاديث المصرحة بوجوب الولاء والبراء وصرفها عن ظاهرها بدون دليل؟؟؟ ويتكلّف لها المحامل البعيدة اتباعاً للهوى وما ذاك إلا لأن الولاء والبراء شاق على النفوس ولا يصلح لأهل الرياسة والمناصب.

وقد أحسن القائل (إذا أردت أن تعلم محل الإسلام أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبوب الجوامع ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة).

وكذلك لا يقوم الجهاد في سبيل الله ولا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالولاء والبراء. وقد لين جانب هذا الأصل بعض الدعاة في هذا العصر فتراهم يوالون أهل البدع ويعظمونهم ويمدحونهم ويشيدون بهم بدعوى الإنصاف والعدل حتى ألفتهم قلوب كثير من الجهال والعوام وانطوى أمرهم على كثير من الطغام بينما الواجب عليهم كشف ضلالهم وبيان مناهجهم وبعدهم عن مذهب السلف لا تلميع بدعهم وضلالهم فإن ذلك فتح لباب موالاتهم ومصاحبتهم ورحم الله سلفنا فقد كانوا ينهون عن مجالسة أهل البدع والاستماع لكلامهم والنظر في كتبهم وقد خاب وخسر من رغب عن طريقتهم ومنهجهم واستبدّ برأيه فإن ذلك هو الضلال البعيد.

"فصل"

ثم إذا سبر الموحّد السُّنّي أحوال الناس في هذا الزمان في توحيد الأسماء والصفات يعظم تعجبه من كثرة ما يرى من أشعرية وجهمية ومعتزلة وإباضية. ومذهب الأشاعرة أكثر المذاهب الضالة انتشاراً ومع ذلك هم أخطرهم على الإسلام والمسلمين لتسترهم باسم أهل السنة والجماعة حتى انطوى أمرهم على كثير من العلماء وطلبة العلم فضلاً عن غيرهم. ومن نظر في كثير من كتب المتأخرين خصوصاً شروح الصحيحين ولم يكن لديه معرفة بمذهب السلف اغتر بكلامهم وسلّم لمقالهم فيؤدي به ذلك إلى الانزلاق والسقوط في الهاوية. لأن فيها ما لا يجوز اعتقاده من تأويل الصفات والعدول بها عن مذهب السلف. والسير بها على منهج الأشاعرة في الغالب.

ولذلك لا بد من تعلم التوحيد وتعلم مذهب السلف أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات.

ومعلوم عند كل سُّنِّي سلفي لم تجتله الشياطين عن فطرته أن مذهب السلف في باب الأسماء والصفات أنهم يثبتون لله ما أثبته لنفسه في كتابه أو أثبته له رسوله محمد صلى الله عليه وسلم من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. ويعتقدون أن الله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ).

فلا ينفون عن الله ما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم بل إذا صح الدليل عندهم قالوا "سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا".

ويعتقدون أن أسماء الله أوصاف مدح دالة على معاني خلافاً لأهل البدع. فاسم الله السميع دال عند أهل السنة والجماعة على إثبات السمع لله جل وعلا وهكذا يقال في باقي الأسماء فلا تجهل ذلك فإنه أصل عظيم غلط فيه طوائف من الناس ممن لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق.

وفي هذا الزمان قل الاهتمام بتمييز أهل السنة والجماعة من أهل البدع والضلالة. بل كثير من الناس يشمئز قلبه إذا ذكر بعض العلماء المشهورين من جملة الأشاعرة الضالين.

لعدم معرفته بمذهب السلف في هذا الباب العظيم.

وثمّ طائفة من العلماء تهتم بعلم الحديث تصحيحاً وتضعيفاً وهذا لا ينكر ولا يستنكر بل هو أمر مطلوب شرعاً.

ولكن يلاحظ على بعضهم إهمالهم جانب العقيدة حتى أنك تلاحظ عليهم أنهم يخلطون بين مذهب السلف في باب الأسماء والصفات وأقوال أهل التحريف من الأشعرية وغيرهم[12]. بل لعلهم ينقلون بعض أقوال الأشاعرة مستدلين بها لتفسير آية من كلام الله أو كلمة من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ظانين أن هذا القول من أقوال السلف الصالح.

ولذلك لا بد من الاعتناء بعقيدة السلف علماً وعملاً.

ويحصل ذلك بالرجوع إلى الكتاب والسنة وتدبرهما وتحكيمهما في كل شيء ويحسن أيضاً النظر في كلام المحققين من أهل العلم والاستعانة بعلومهم على فهم المراد من النصوص الشرعية. فإن الأئمة –رحمهم الله- قد خلفوا لنا علماً جماً في هذا الباب العظيم.

ومن أعظم هذه الكتب التي خلفوها لنا: كتاب "السنة" للخلّال، و"السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد –رحمهما الله-، وكتاب "الشريعة" للآجري، و"شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" للالكائي، وكتاب "الرد على بشر المريسي" للدارمي، و"الرد على الجهمية" لابن مندة، و"الإبانة" لابن بطة، و"كتاب التوحيد" لابن خزيمة، و"الحجة في بيان المحجة" لأبي القاسم الأصبهاني، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه العلامة ابن القيم، ومؤلفات أئمة الدعوة النجدية –رحمهم الله جميعاً- وغيرها كثير من الكتب النافعة في هذا الباب العظيم فإنه لزلة أقدام ومضلة أفهام إلا من ألهمه الله رشده ووقاه شر نفسه يتمسك بما في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم. وما عليه سلف الأمة وأئمتها المهتدون...

"خاتمة"

إذا علم ما تقدم ذكره وسبق إيراده. فاعلم أنه ينبغي للعلماء وطلبة العلم والدعاة إلى الله أن تتضافر جهودهم في بيان التوحيد وبيان ما يضاده. وأن يجعلوا الحظ الأوفر من دروسهم إيضاح مسائل التوحيد وبيان ما يضاده بالأدلة الشرعية. ويجعلوا ذلك هجيراهم لأن التوحيد أوجب الواجبات فبه يحصل التمكين في الأرض وبه يحصل النصر والظفر على الأعداء وبإهماله وإضاعته والتفريط بحقوقه لا يحصل تمكين في الأرض ولا فوز ولا ظفر قال تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [النور، آية: 55].

ولا يكون المرء مؤمناً وعاملاً للصالحات وعابداً لله حق العبادة إلا إذا أتى بالتوحيد وخلص من الشرك وأهله. ولا يمكن الإتيان بهذا والخلوص من هذا إلا بالاهتمام بمقام التوحيد وصرف العناية إليه وتخليصه من شوائب الشرك والبدع.

هذا وأسأل الله تعالى أن يصلح أحوال المسلمين وأن يرزقهم السداد في جميع أمورهم فهو الموفق لمن شاء من عباده لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع.

وهذا آخر ما أردت بيانه في هذه الرسالة على سبيل الاختصار والإيجاز حتى ينتفع بها من أراد الله هدايته وإخراجه من الغواية.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

كتبه
سليمان بن ناصر العلوان

القصيم –بريدة- في 2/ 11/ 1412هـ.
اخترنا لك من الكتب