القرآن هوية المسلمين (2)

  • تاريخ النشر : 2013-04-18
  • المصدر : مجهول

1062

عدد الزيارات :



ومن أراد أن يعرف ما صنعه القرآن في العرب لينظر سير العرب، لينظر تاريخ العرب، لينظر أيام العرب،

ثم ينظر بعد ذلك كيف صار العرب. هل يُـتصور أن امرأة كان يمكن أن ترد على سيد القوم؟ هل كان هذا يتصور في الجاهلية؟ أن امرأة ترد على سيد القوم.. كيف تقول امرأة لعمر لما وقف في المنبر وقال القضية المشهورة: أرى أنكم تتغالون في المهور، قللوا ... فقامت امرأة من أواخر الناس فقالت: سبحان الله يا عمر، يعطينا الله وتمنعنا أنت، قال الله تعالى : (وإن آتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا). الله يقول: (وإن آتيتم إحداهن قنطارا) وأنت تقول : قللوا. فقال عمر: أصابت امرأة وأخطأ عمر، هذه القصة المحدثون يضعفون إسنادها ولكن هي مشهورة عند أهل السير. يعني كيف يتصور وجود هذه الجرأة.

أقول لكم أن كليبا كان عزيزا بحيث يقول: إلى حيث يعوي الكلب فهذا حماه لايقربه أحد، الماء ـ في النهر أو البئر،، لايقربه أحد ولو ماتوا عطشا.. ابن رشد في البيان والتحصيل يذكر قصة غريبة: أن عمرا رضي الله عنه كان مضطجعا في ظل شجرة فأتته امرأة من القبائل البعيدة عن مركز الخلافة، وهؤلاء البعداء كانوا لا يعرفون صورة عمر ، يسمعون به لكنهم لايعرفونه ـ فلما رأته مضطجعا جاءته فضربته برجلها في رجله توقظه، فلما استيقظ قالت له: ياهذا إن أمير المؤمنين بعث في العام الماضي أولئك الذين يجمعون الزكاة ويفرقونها، وقد بعث فلانا وجمع زكاة ولم يعطنا ، وأخشى أن يبعثه مرة أخرى هذا العام ولا يعطيني أنا وأبنائي، وقد توسمت فيك الخير فاذهب معي تتوسط لي عند ذلك العامل على الزكاة، فقام عمر ونادى خادمه يرفأ فقال ادعو لي فلانا، وهي تقول له: دعنا نحن نذهب عنده (هي ترى أنه من الصواب أن يذهبوا هم عند عامل الزكاة)، فيقول لها : يا أمة الله إذا لم يرد أن يأتي حينها سنذهب إليه، فذهب يرفأ حتى وقف على عامل الزكاة فقال له: أجب أمير المؤمنين، فقال عامل الزكاة: والله مادعاني في هذه الساعة إلا لأمر سوء، وشرع يسأل: من معه؟ هل رأيت نعه أحدا؟ وهل قال له أحد شيئا عني؟ وهل تعرف لماذا دعاني؟ ... قال: رأيت عنده امرأة.. فلما حضر شرع عمر يوبخه: إنا كنا كذا، وأرسلت كذا.. فلما سمعت المرأة هذا تفطنت إلى أن الذي حدثها، والذي ضربت رجله وأيقظته من نومه هو عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، فأوصاه وأمر لها بشيء معجل من دقيق وغيره.

مالذي فعل في الناس هذه الأفاعيل؟ هو القرآن الكريم.
القرآن كانت تتأثر به العجماوات فضلا عن الأناسي ذوي الشعور، تعرفون الحديث الذي رواه الشيخان عن أسيد بن حضير أنه كان يقرأ القرآن في ليلة من الليالي وبجانبه ابنه الصغير وبجانب ابنه فرس له ، وهو يقرأ جفل الفرس فسكت فسكنت الفرس، فقرأ فاضطربت الفرس فسكت فسكنت، فقرأ فاضطربت فسكت وقام عن القراءة خوفا أن تضرب الفرس ابنه الصغير، ولما رفع بصره إذا بمصابيح يراها معلقة في الهواء، فلما كان من الغد ذهب وقص على النبي صلى الله عليه وسلم ما وقع له، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : (إقرأ يابن حضير، إقرأ) كأنه يحضه على عدم ترك القراءة وقال له صلى الله عليه وسلم : (أعرفت ما ذاك؟ تلك الملائكة، تلك السكينة تنزلت لقراءتك)، بل قد أخبرنا الله أن الجمادات تتأثر لهذا القرآن (لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله).

إذن حينئذ لايُـستغرب أن يفعل القرآن في العرب ـ العرب الذين ذكرت لكم بعض أوضاعهم وأحوالهم ـ لايستغرب أن يصنع فيهم ما صنع، لذلك أقول، كما قال الإمام مالك رحمه الله: (لايـُصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها).

المعلم للمسلم في أصقاع الأرض كلها هو القرآن، والمغاربة عندهم مثل يقول: (من ضل الطريق فليتمسك بالأرض). نحن نقول: من ضل الطريق فليتمسك بالقرآن ، من غابت عنه المعالم ولم يدري إلى أي شيء يرجع فليرجع إلى المعلم الذي نصبه الله والذي لايختلف عليه المسلمون ، القرآن لايختلف عليه أحد، وبالأخص المسلم في ديار غير المسلمين، هذا أولى بالرجوع وأحق، والله عز وجل قد بين لنا المعالم: كيف تكون؟ كيف تصنع؟ ما أخلاقك؟ ما أحوالك؟ ما عباتك؟ ما أفعالك؟ كل شيء مذكور في القرآن، نحن في خطبة الجمعة ذكرنا عباد الرحمن، ماذا تركت هذه الآية لقائل ما يقول؟ تريد السلوك في زمرة العباد؟ وهذه الزمرة التي تنتهي إلى رضوان الله (أولئك يجزون الغرفة) أولئك اسم إشارة ، واسم الإشارة للجمع، فاسم الإشارة للمفرد "هذا" وللجمع "هؤلاء" ولكن عندنا اسم شارة آخر للجمع وهو "أولئك"، مالفرق بين هؤلاء وأولئك؟
"هؤلاء" للجمع القريب، و"أولئك" للجمع البعيد ، أنا إذا أردت أن أحدث عنكم أقول: هؤلاء جالسون، العربي إذا سمعني أقول: "هؤلاء" يفهم أن هؤلاء المشار إليهم قريبون مني، ولكن إذا أردت أن أحدث عن البعيدين مني، ماذا أقول؟ "أولئك" لأنهم بعيدون وليسوا بقريبين.
كيف يقول الله عز وجل: (أولئك يجزون الغرفة)؟ لأن المرتبة مرتبة عالية بعيدة لا يصلح لها إلا اسم الإشارة الذي يدل على البعد، هؤلاء لم يعودوا قريبين، علوا في مراتب رضوان الله تعالى، هذا المعلم.

المسلم في كل وقت وفي كل أرض، وخاصة في الديار الغربية عليه أن يسأل نفسه: مالمراد؟ هل المراد أن يقول فيك فلان وعلان أنت رجل صالح، أم المراد أن تكون عند الله رجلا صالحا؟ هذا هو المراد، أن تذكر عند الله من الصالحين، إذا كان هذا هو المراد أنت تغيب عن الناس.

هناك أبيات تنسب إلى رابعة العدوية الصوفية المشهورة، هذه الأبيات عجينة جدا العلماء اختلفوا هل وجدت رابعة العدوية أم أنها أسطورة من الأساطير، الذهبي ذكر لها ترجمة صغيرة في سير أعلام النبلاء، على كل حال غرضنا من تلك الأبيات تقول فيما نسب إليها مخاطبة الله تعالى:
فليـتك تحلو والحيـاة مـريـــــرة وليـتك ترضـى والأنـام غضـاب
وليـت الذي بيـني وبينـك عامر وبـيني وبيـن العــالمين خـراب
إذاصـح منك الود فالكل هيــــن وكـل الذي فوق الـتراب تـــراب
الغرض أن تذكر عند الله من الصالحين، والله عز وجل يخبرك بالطريق التي بها تذكر عنده من الصالحين ( وعباد الرحمن) .

الله عز وجل قال: (قد أفلح المومنون) وهل تعرفون معنى (أفلحوا)العرب كانت تستعمل هذه الكلمات في الجاهلية
فاعقلـي إن كنـت لمــا تعقلــي ولقـد أفلــح مــن كـان عقـلْ
لـو أن حيــا مــدرك الفــــــــلاح لنالــه ملاعـــب الـرمـــــــاح

الفلاح في اللغة العربية هو الفوز بالمطلوب الأكبر ، هذا هو الفلاح(قد أفلح المومنون) فازوا بمطلوبهم الأكبر، وما هو مطلوبهم الأكبر؟ دخول الجنة.
لما قال ربنا (قد أفلح المومنون) لم يتركنا هملا، نتساءل كيف هم هؤلاء المؤمنون.. كأن سائلا سأل: يارب صفهم لنا، ماصفتهم؟ (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ لأمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، ورثوا الفردوس: أي أفلحوا، نالوا مطلوبهم الأكبر.

إذن فيما الحيرة؟.. فيما التردد؟.. فيما البحث هنا وهناك؟.. هاهو القرآن قد وضح لنا، هل إذا تجلى في العبد ماذكره له ربه في هذه الآيات ألا يفلح؟ بلا يفلح ، قطعا يفلح، لأن ربنا لايخلف الميعاد أبدا، ربنا إذا وعد لايخلف الوعد. قد قال ربنا إن هؤلاء أفلحوا فكل من تجلت فيه تلك الصفات المذكورة فقد أفلح لاشك. إذن المَعلـَم هو القرآن لذلك أنا قلت أن القرآن هو هوية المسلمين، لاتبحث لك على هوية أخرى، طبعا هذا الحديث عن الهوية الدينية، الهوية المدنية كن ماشئت، كن ألمانيا أو مغربيا.. لافضل لمغربي على ألماني ولا لجزائري على تونسي ولا لأفغاني على أمريكي، إلا بالتقوى، صهيب رومي، هل تحول إلى عربي عندما أسلم؟ هل قال أنا صهيب المكي ؟ أنا صهيب العربي؟ قال: أنا صهيب الرومي، ولكن الرومي المسلم، هذه هي الهوية، هوية المسلمين القرآن، حيثما كانوا تساووا هنا، والهوية المدنية أنتم وشأنكم معها.

(قد أفلح المومنون) قال ربنا في موضع آخر: (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً، إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً، وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً، إِلَّا الْمُصَلِّينَ) ولكن من هو المصلي في الاصطلاح القرآني؟ من هو المصلي في القرآن العظيم؟ كيف هم ياربي هؤلاء المصلون ؟ (الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ، وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ، لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ، وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ، وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ، إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ... ) إلى آخر الصفات التي ذكرها ربنا سبحانه.
اللبيب العاقل ماذا يفعل؟ ينظر في القرآن، يبحث عن صفات المرضيين عند الله فيحاول قدر استطاعته أن يأتي بها، يحاول قد استطاعته أن يـُنشأ بنيه عليها، كنا في فرنسا قبل أيام، الناس هناك تشفق على أبنائها أكثر من شفقتها على نفسها يطلب منك الدعاء لبنيه أكثر مما يطلبه لنفسه، لماذا؟ خوفا على هؤلاء الولدان من أن تجرهم الواردات والصادرات والوافدات ... فأقول لك ما ينفعك عاء الداعين إذا كان الخير مبذولا لك وأنت تنبذه، لا أقول لك تنبذه عمدا، تنبذه مراغمة له، ولكن تنبذه رغما عنه، وهل يـُغفل عن مثل هذا؟ أقول لهم: كل شيء لايـُجعل القرآن له أساسا فهو شيء مخذول، فهو شيء منزوع البركة، لايـُتصور به فائدة، ما أردت أن أحدثكم به في هذه الكلمة هو أن المرجع هو مانصبه الله للعباد.
من أراد أن يـُذكر عند الله من الفائزين، من المفلحين، من عباد الرحمن، فالله تعالى من رحمته، بل من رحمانيته أن بذل ذلك ولم يتركه لتأويل المتأولين ولا لظنون الظانين، فنسأل الله أن يوفقنا لسلوك زمرة عباده المفلحين، وعباده المرحومين وشكرا لكم لحسن استماعكم ، سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لاإله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك و الحمد لله رب العالمين
اخترنا لك من الكتب