معالم الوسطية من خلال السيرة النبوية

  • تاريخ النشر : 2013-04-18
  • المصدر : مجهول

2212

عدد الزيارات :


الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ..


هذه الكلمة موضوعها : معالم الوسطية من خلال السيرة النبوية، المحاضرات التي ألقاها الشيوخ الفضلاء تحدثوا فيها عن الوسطية بما لامزيد عليه اليوم فحديثي سيكون تجلية لبعض ماذكروه وتفصيلا لبعض ما أجملوه ، وهذا المنهج الذي سير عليه في هذا اليوم يظهر لي أنه منهج أصولي كما عند الأصوليين ، يتكلمون عن المسائل الأصولية من حيث الإجمال ثم يتطرقون إلى الأمثلة التي تتبين بها تلك الأصول التي قرروا، عندما يتحدثون عن الأمر ومسائله المتعلقة به يتطرقون بعد الحديث إجمالا عنه إلى فرع يبينون به هذا الذي كانوا يتحدثون عنه بإجمال. محاضرتي هي بمثابة هذا الفرع المجلي لذلك الأصل المجلى.

الوسطية ـ كما أنظر إليها إذا سُئلت ـ أقول لمن يتلمسها ويتطلبها : الوسطية تجلت في محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك نحن سنتطلب الوسطية من خلاله هو صلى الله عليه وسلم وسأذكر بعض مواقفه مع ثلاثة من أصناف المجتمع ومنها نمر إن شاء الله إلى شيء عملي من خلال استماعي لمحاضرات الأساتذة الفضلاء، هؤلاء الأصناف الذين سأذكر بعض أحواله صلى الله عليه وسلم معهم هم: النساء والأيناء والأعداء.


النساء: في الصحيح قصة النبي صلى الله عليه وسلم جالس مع أصحابه في بيته ـ والنوبة نوبة عائشة رضي الله عنها ـ فبعثت إحدى أمهات المؤمنين قصعة فيها طعام، فدخل الخادم حاملا القصعة ، فلما رأتها عائشة والنوبة نوبتها ضربت القصة من يد الخادم فأسقطتها فانكسرت، هذا باعث إنساني ، النوبة نوبتي وأنت تبعثين له بطعام، ألا أحسن الطبخ؟، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك وقال لأصحابه: (غارت أمكم ) ثم أمرها أن تأتي بقصعة مقابل تلك التي كسرت وبعث بها إلى صاحبة القصعة. هذا الموقف وسط، وسط بين ماذا وماذا؟ وسط بين موقف أهوج قد يقوم به أحدنا إذا رأى زوجته تستطيل عليه أمام أضيافه ممن يقدرونه قدره ويضعونه في المقامات الراقية السامية فكأنها تبين لهم أن هذا الذي تقدرونه قدره ماهي صانعة بالذي يهدى إليه.. فهذه هي النزعة الطينية التي تقتضي أن يصنع ماتشاهدون وتعرفون، والطرف الآخر هو عدم تصرف وعدم مبالاة، أحيانا بعض الناس إذا صنع شيء أمامه يهمله إهمالا تاما حتى لاتنصرف أنظار الناس إليه وهذا قد يفهم منه أنه لايبالي بتلك التي كسرت قصعتها، فهذا الموقف وسط بين هذين الطرفين اللذين لاأشك في ذمهما، ثم فيه بيان للمسوغ أنها غارت، وهذا شيء طبع الله عليه بنات آدم.

موقفه صلى الله عليه وسلم مع الصنف الثاني ـ وأعني به صنف الأبناء ـ اخترت موقفا وسطا تجلى في موطنين:
في الصحيح أن رجلا دخل على النبي فوجده يقبل أحد بنيه ـ لعله الحسن أو الحسين ـ فتعجب الأعرابي، أنتم تعرفون أن الأعراب منهم الجفاة الغلاظ ، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم يقبل أحد أحفاده تعجب فقال : أو تقبلونهم، فوالله مانقبلهم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (وما أملك أن نزع الله الرحمة من قلبك)، هذا التقبيل تجلي لرحمة ساكنة في القلب، هذا قد يعطي صورة للنبي صلى الله عليه وسلم، ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذات مرة في المنبر فأتى أحد أبناء فاطمة رضي الله عنها يرفل في ثوبه فنزل النبي صلى الله عليه وسلم من منبره فحمله ثم رجع إلى المنبر وقال: صدق اللَّه (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ).

هذه المواقف المتكررة قد تعطي أن النبي صلى الله عليه وسلم شفقته شفقة منبعثة فطرية لا تحكم له فيها وهذا شيء لايمدح به.. وفي الصورة المقابلة جاء مرة غلام تستطيل يده يريد أن يضعها في الصفحة فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم يده قبل أن يضعها في الماعون وقال له : " يا غلام سم الله وكل بيمينك وكل مما يليك"، وهذا قد يظهر لنا جانبا آخر أن شفقة النبي صلى الله عليه وسلم ورحمتة رحمة مؤدبة، هذا هو الوسط الذي أقصد، رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاع عنه أنه لطيف ، هذا بخس لوصف النبي صلى الله عليه وسلم ، رسول الله عليه الصلاة والسلام كان حكيما، والحكمة هذه أرقى من مجرد اللطف، لماذا؟ لأن الحكمة هي وضع الشيء في موضعه، وضع الشدة في موضعها ووضع اللين في موضعه وهذه هي الوسطية ، لما رآه جائيا يتساقط ويتعثر في أذياله نزل وحمله وكان يخطب في الناس، ولما رأى الآخر جاء متلبسا بما لاينبغي من الآخلاق أمسك بيده قبل أن توضع في الإناء.. ربما يقول قائل إن النبي صلى الله عليه وسلم رحيم ولطيف لماذا لم يترك هذا الطفل يأكل فلربما كان جائعا، وهذا ملحظ من ملاحظ هذا الوسط في هذا الموقف.

الصنف الثالث هو موقف مع أحد أعدائه الذين كانوا يقدرون على إيذاء مجتمع المسلمين، ثمامة بن أثال كان سيد بني حنيفة، وبني حنيفة هذا موقع في اليمامة في شمال الجزيرة العربية، واليمامة هي سوق الحجاز منها يمتارون، وهذا سيدهم ومن أئمة الكفر في ذلك الوقت وأخذته خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما أخذته أتي به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فربطه في سارية من سواري المسجد ثم خرج عليه وقال له صلى الله عليه وسلم : "ماعندك يا ثمامة؟"، فقال يامحمد: إن تقتل تقتل ذا دم وإن تمنن تمنن على شاكر وإن ترد المال سل منه تعطى، فتركه النبي صلى الله عليه وسلم مربوطا وحتى إذا كام من الغد خرج عنده وقال له : "ماعندك يا ثمامة؟ " فقال هو ما قلت لك بالأمس ( إن تقتل تقتل ذا دم) إذا قتلتني فلن تلام لأنني قاتلت منكم وهذا شيء طبيعي، ( إن تقتل تقتل ذا دم) يعني ذا دم أخذ رقابكم وحصد أرواح أصحابك.

(وإن تمنن تمنن على شاكر) إذا عفوت عني وأطلقتني شكرتك، لا أجحدك ولا أكفر نعمتك.

(وإن ترد المال سل منه تعطى) وإن ترد الفداء سل منه تشاء تعطى ، فتركه النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان من الغد سأله فأعاد عليه الكلام كله ، فقال صلى الله عليه وسلم : (أطلقوا ثمامة)، فلما أطلق ثمامة خرج حتى إذا بلغ نخلا قريبا من المسجد اغتسل ثم رجع فتشهد شهادة الحق. هذا الموقف أين تتجلى وسطيته؟ النبي صلى الله عليه وسلم أمسك عدوا في غير عهد ولاذمة وفي غير شهر حرام، وذلك العدو نال من المسلمين وقتل منهم ، ثم هو عدو يمسك اقتصاد المجتمع المسلم الناشيء في يده، إذا قطع عنهم الميرة هلك الناس جوعا، هذه هي الغنيمة الباردة، إذا أمسك هذا لايستأنى في قتله، ما عجل عليه فقتله، هذا طرف ، طرف آخر أن يمن عليه كما من على أسرى بدر النبي صلى الله عليه وسلم قبل منهم الفداء وأطلقهم ولم يقتلهم، أخذ برأي أبي بكر ولم يأخذ برأي عمر ، لو أطلقه ماذا يشيع عنه صلى الله عليه وسلم ؟ أن محمدا كلما أمسك عدوا أطلقه ، فلا تخشى سطو ته ولايرهب جانبه ، هذان الموقفان الطرفان بينهما هذا الموقف الوسط الذي لا يوفق إلى مثله إلا نبي، وكانت ثمرته أن أسلم ثمامة إسلام عز لا إسلام تهمة، الرجل يضمر في نفسه الإسلام ولكنه يأبى أن يسلم مقيدا، سيقال دائما أبد الدهر فلان أسلم خوفا من الموت ولكنه لما أرسل وصار مالك نفسه حينئذ تشهد، وقد قلت لكم أن اقتصاد الحجاز كان في يده فلما لقي بعض قريش قال لهم والله لاتأتيكم حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم..

هذه الوسطية إذا أردنا تجليتها: عندنا طرفان ووسط، هل هذا الوسط هل يشترط أن يكون على مسافة متساوية من الطرفين أم حيثما وضع ذلك الوسط بين الطرفين فهو في الوسط؟


الذي يظهر لي ـ والله سبحانه أعلم ـ أنه حيثما حل بين الطرفين فهو في الوسط، المطلوب هو مجانبة الطرفين ، ما شاهد ذلك من سيرته صلى الله عليه وسلم؟ أظن ـ ولعلكم توافقونني ـ أن الوسط يراعى فيه حال المتوسطين. النبي صلى الله عليه وسلم رد رغبة سعد في التصدق بماله كله ، ورد رغبته في التصدق بنصف ماله، وقبل على مضض تصدقه بالثلث فقال: (والثلث كثير)، ولذلك كان ابن عباس رضي الله عنه يقول: لو خفض الناس من الثلث في الوصية لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (الثلث والثلث كثير)، لكنه قبل صدقه أبي بكر وقد تصدق بماله كله، وقد فعلها أبو بكر مرتين:

لما هاجر مع النبي صلى الله عليه وسلم أخذ ماله كله ولم يترك لبنيه شيئا، ولذلك لما جاء أبوه أبو قحافة ـ وكان قد عمي ـ ودخل على أسماء وقال لها لقد فجعكم هذا في نفسه وماله، قالت له: لا، لقد ترك لنا مالا، فعمدت إلى كوة في البيت ووضعت فيها حجرا وغطت الحجر بثوب وأخذت بيد جدها الأعمى ووضعتها على الثوب وقالت له: قد ترك لنا هذا، توهمه أنه متمول. فقال لها : أما إذا ترك لكم هذا فنعم. ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم صدقة أبي بكر ، لماذا؟ لأن هذا المقام هو وسط أبي بكر ، هو المقام الوسط الذي يناسب مقام أبي بكر، ولكن لايناسب مقام سعد رضي الله عنه.


النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة العسرة كان يحث الناس على الصدقة، فجاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمال صبه في حجر النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ماتركت لبنيك؟ قال: تركت لهم مثله ـ يعني أنه جاء بنصف ماله ـ فلما جاء أبو بكر وصب المال قال له ماتركت لبنيك؟ قال: تركت لهم الله ورسوله ولم يرد عليه صدقته، لماذا؟ هذا حاله، لانقول أبو بكر في طرف وهو إنفاق جميع المال، لا.. هذا وسط أبي بكر ، لايليق به إلا هذا ولايناسب مقامه إلا هذا وهو في هذا وسط، فهذا مراعاة لحال المتوسطين في هذا الوسط وليس الوسط نقطة واحدة يلزم جميع الناس بالوقوف عندها.


اخترنا لك من الكتب