حقوق الوالدين

  • تاريخ النشر : 2013-04-10
  • المصدر : موقع اهل الفضيلة

1349

عدد الزيارات :

الحمد لله الذي قضى بعد عبادته و توحيده بالإحسان إلى الوالدين، وجعل القيام بحقوقهما سبيلا إلى السعادتين، نحمده على ما أنعم ونشكره على ما به تكرّم، و نشهد أن لا إله إلا هو رب العالمين، و نشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله سيد المحسنين البّارين، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله و أصحابه والتابعين، من يطع الله و رسوله نال من خير الدارين ما نوى . أما بعد :
فإن أحسن الحديث كتاب الله  و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه و سلم. 
قال الله تعالى :{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا ، وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا } (الإسراء: 23-24).
أيها المسلمون ، إن القيام بحقوق الوالدين، و برورهما والإحسان إليهما، من آكد الفروض و الواجبات، وأعظم العبادات والقروبات بعد عبادة الله سبحانه و توحيده، لأن الله سبحانه الخالق الحقيقي للولد، قد جعل الوالدين السبب المباشر في خلق الولد، وخلق في قلوبهما من العطف و الحنان والرحمة، ما يدفعهما لبذل الجهود، و تحمل المشاق و المتاعب في السعي عليه، وحفظه و رعايته و تربيته، لذلك  جاء الإسلام يُعظم حقوقهما و يوجب رعايتهما، و يحرم تحريما قاطعا عقوقهما، بِجعْل برّهما بعد الصلاة أفضل من الجهاد، و عقوقهما من أكبر الكبائر  بعد الإشراك بالله.
فعن ابن مسعود قال: " سألتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي العمل أحبُّ إلى الله تعالى،قال: الصلاة على وقتها، قلت ثم أي، قال بر الوالدين،قلت  ثم أي، قال الجهاد في سبيل الله" . وفي صحيح البخاري عن أبي بكرة قال: " قال رسول صلى الله عليه وسلم: آلا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاث، قلنا بلى يا رسول الله قال: الإشراك بالله وعقوق الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا  وقول الزور وشهادة الزور، ألا وقول الزور  وشهادة الزور.  فما زال يقولها حتى قلنا  لا  يسكت".
 وحقوق الوالدين كثيرة، تتجدد بتجدد الأحوال إلا أن الله سبحانه جمع في الآية الكريمة التي صدرنا بها القول أعظمها و آكدها، فأمر أولا بالإحسان الذي يجمع كل معاني البرور ، و جعله مقترنا بعبادته فقال (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا) ثم نهى عن اذايتهما بالقول، والإساءة إليهما بالخطاب الجافي والزجر الخشن و الكلام القبيح، ولو كان قليلا دالا على مجرد التبرم و الضجر، ككلمة (أف)، و إذا كانت هذه الكلمة الخفيفة محرمة منهيا عنها فما بالك بغيرها، قال تعالى:{ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا}.  و ليس هذا النهي خاصا بحالة الكبر و الشيخوخة كما يُتوهم بل هو عام في جميع الاحوال، و إنما ذكر الله تعالى حال الكبر و الشيخوخة لأنه مظنة التضجر و التضايق، وبعد هذا طلب الله سبحانه ان يتحرى الأولاد و يتخيروا أطيب الكلام وأكرمه وأحسنه في مخاطبة الوالدين، وأن يبتعدوا من العنف و استعمال الألفاظ الموحشة، فقال تعالى :{وَقُلْ لَهُمَا قَوْلا كَرِيمًا}. ثم أمر سبحانه أن نرحمهما، و نتذلل لهما، ونعطف عليهما عطفا بالغا، ونرفق بهما رفقا زائدا ، فقال:{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ }.
 وأخيرا و ليس آخرا حثَّ الله تعالى على الدعاء لهما بالرحمة، رعاية لحقوقهما و جزاءا  لفضلهما الذي نعجز عن مكافأتهما عليه، فقال :{وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}  وقد كرّر الله سبحانه في القرآن الوصية بالإحسان إلى الوالدين، لافتا سبحانه نظر عباده إلى جليل ما قاما به نحو الولد، و ما تحملا في سبيله، ومُثنيا على البار  بهما، و مبشرا له بما ادخره له عنده من الكرامة والنعمى، ناعيا على العاق جرمه منذرا له بما ينتظره من غضب الله ومقته.
  فقال عز وجل:{ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسنًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كرْهًا وَوَضَعَتْهُ كرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ يتقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ، وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آَمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الْأوَّلِينَ، أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ } (الأحقاف 15- 18).
  وقال جل وعز في سورة لقمان مؤكداً للوصية المذكورة {وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ  (أي فطامه و قطع رضاعه في تمام عامين) أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) } (لقمان 14-15).




 أمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة بشكره مقرونا بشكر الوالدين ، و خص الأم بالذكر لكونها تتحمل القسط الأوفر والنصيب الأكبر من الآلام و المشاق في الحمل والولادة و الرضاع و التربية، وأكد الله حقهما وأوجب طاعتهما و برورهما في عموم الأحوال، إلا إذا  أمر ولدهما بالشرك و الكفر بالله ومعصيته فحينئذ لا تجوز طاعتهما، إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولهما مع كفرهما و إشراكهما حق الصحبة بالمعروف، والصلة الكريمة، والبرور  الواجب والرعاية المطلوبة، وفي الصحيحين قالت أسماء: "قدمت عليّ أمي وهي مشركة، فاستفيتُ النبي صلى الله عليه و سلم فقلت: إن أمي قدمت عليَّ وهي راغمة محتاجة أي تسألني شيئاً مما عندي آفأصلها؟ فقال النبي صلى الله عليه و سلم: نعم صِلي أمك".
هكذا يقول رسول الله صلى الله عليه و سلم يأمر بصلة الأم المشركة قياما بحقها، وشكرا لفضلها ولأنها  أحق الناس بعطف أولادها و أولاهم ببرورهم، بل جعل الشرع حقها أعظم من حق الوالد و أولى، ففي الصحيحين عن أبي هريرة قال: "جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال: من أحق الناس بحُسن صحابتي (أي صحبتي)؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال أبوك". فأوصى بحق الأم ثلاث مرات قبل الأب.
ومن العجائب أن الدين الاسلامي الذي امتاز عن "الأديان" كلها بتكرار الوصية بالإحسان إلى الوالدين وحفظ حقوقهما، وأوجب لهما من البرور و الرعاية و التكريم ما طفحت به مصادره ، وامتلات به كتبه، و أكد كتابه الكريم الأمر، قارنا شكرهما بشكر الله، وطاعتهما بطاعة الله، و ورد عن رسول الله صلى الله عليه و سلم من الأحاديث والآثار في شرح ذلك و بيان آثره، وتحريم العقوق و توضيح أخطاره ما يملأ الدفاتر. هذا الدين نرى أتباعه المنتسبين إليه، الزاعمين أنهم أهله، أسوأ الناس حظاً من هذا الخير و أبعدهم عن هدايته، وأنكرهم له، وأجهلهم بفضله، لا تخلو محكمة من محاكمنا من دعاوي ترفعها الأمهات على أولادهن يطلبن النفقة. ولا يمر  بك يوم دون أن تسمع أُما تحكي عن سوء معاملة ولدها و بنتها لها، و تدعو عليهما، حتى ألفنا الدعاء بالسخط واللعن لكثرة ما نسمعهما، ولسنا نخلي الأمهات و الوالدين من المسؤولية، فإنهم يتحملون بعضها، لتفريطهم وإهمالهم للتربية لجهلهم بطرق ذلك و فوائدها، و لكن هذا الواقع المؤسف يحملنا على الإشفاق من هذا الحال واستمراره مع ما تنطوي عليه من أخطار و أضرار، خصوصا وأنها تقع في الأقطار الإسلامية، ومن شعوب مسلمة كما قلنا. ونلتفت إلى الأجانب المحرومين من هذا الفضل، فنراهم أسبق الناس لرعاية هذه الحقوق، وصيانتها وحفظها والقيام بها، بدافع الإنسانية ،و مقابلة الجميل بالجميل،  دون ترغيب  ولا  ترهيب  ديني، فتأمل رعاك الله هذا الأمر، فإنك لاشك واجد في عائلتك القريبة أو البعيدة  شيئا من هذا، ساعَد على بقائه جهلنا، و سوء تربيتنا، فترى من يَترَضى زوجته على حساب أمه، و يَعبَسُ في وجه أبيه لمعاكسته له، أما التسبب في سب الوالدين و لعنهما بسب آباء الناس فكثير منتشر، و قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: "من الكبائر أن يشتم الرجل والديه، قالوا يا رسول و هل يشتم الرجل والديه؟ قال نعم ،يسبُّ أبا الرجل فيسبُّ أباه ، ويسبُّ أمه فيسبُّ أمه".
أيها المسلم الواعي، هذا غيض من فيض مما ورد عن الله و رسوله في الوصية بالوالدين و الإحسان إليهما وشكرهما و رعايتهما، و القيام بحقوقهما، وهي أمور تعرفها، طرقت سمعك مراراً  فاجتهد أن ترى آثرها في أسرتك، وبين أهلك وعشيرتك، وابذل جهدك في تقويم المعوج، و إصلاح الخلل، و اهمس في أذن العاق من أهلك، إن العقوق  أشأم الآلام و الذنوب، و أخطر الجرائم و العيوب، وكلها شؤم و ضرر، وليس هناك ذنب يُعجل الله عقوبته في الدنيا قبل الآخرة إلا البغي و العقوق كما ورد في الحديث، فأقلع يا أخي عن ذنبك، وارجع الى ربك، إني لك من الناصحين .
اللهم ارحم آباءنا وأمهاتنا كما ربونا صغارا و اغفر لهم، وأجزل ثوابهم ، و توّل عنا مكافأتهم، ووفقنا للقيام بحقوقهم، ونجّنا من الوقوع في العقوق يا رب العالمين، آمين  وآخر دعونا ان الحمد لله رب العالمين.
اخترنا لك من الكتب