الإعلام "وقضية القرض"

  • تاريخ النشر : 2012-09-01
  • المصدر : مجهول

2041

عدد الزيارات :

 الدكتور ياسر برهامي يكتب:

(الإعلام وقضية القرض)

تأتي قضية قرض صندوق النقد الدولي مثالا صارخا لما وصل إليه حال الإعلام -بما في ذلك صفحات الفيس بوك ومنتديات الحوار - من تدني لغة الحوار ومقاصده، وإن شئت قلت غياب الحوار الهادف ...إلى معرفة الحقيقة والوصول إلى الإصلاح.

فدور الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي يجب أن يكون نشر الحق والجدال بالتي هي أحسن كما أمر الله، وصولاً إلى التقريب بين فئات المجتمع وليس إشعال نيران الفتن ومحاولة تشويه صورة المخالف بأي طريق، ولو بتحريف الكلام، أو محاولة إثبات التناقض دون أدنى محاولة لتدبر الكلام بمعرفة قصد صاحبه الذي ربما صرح بخلاف ما ينسب ويشاع عنه.

فالفتوى التي نشرت على موقعي صوت السلف وأنا السلفي لي حول قرض صندوق النقد الدولي التي صدرتها بأن الربا قليله وكثيره حرام لا تحتمل بأي حال أن ينسب إلي أنني أجوز الربا القليل، فصريح الكلام أن الفائدة الربوية محرمة ولو كانت بأي نسبة، ولكن المصاريف الإدارية التي لا يقصد منها تربح الدائن من القرض ليست كذلك، وكونها نسبة من القرض ليس دليلاً على كونها فائدة ربوية.

فإذا قلنا مثلاً أن شخصا يأخذ أجرة على عمله تبلغ ألفين على إتمامه عقدا بمائة ألف جنيه، فهذا مماثل تمامًا لقولنا أجرته 2%، ولو أن محاميًا مثلاً حرر عقدًا بين طرفين تبلغ قيمته عشرة ملايين، اتفق على أجرة تبلغ مائة ألف كان ذلك مقبولاً كأجرة تساوي 1% لضخامة قيمة العقد، ولم يكن ذلك ممنوعًا، وإذا اتفقوا على أن يأخذها مقسطة على عدة سنوات لم يُمنع من ذلك.

كذلك المصاريف الإدارية في القروض التي الغرض منها إقامة المؤسسة التي تتولى الوساطة في أمر القرض والإنفاق عليها، لا يوجد ما يمنع أن تعرف أجرتها وأجرة خبرائها ونفقاتها كنسبة من القرض طالما كان الأمر كذلك، في حين لو كانت هذه النسبة فائدة للتربح كانت من المحرم.

وهذا الذي ذكرت أنه وصل إلى علمي في القرض المذكور من أن الفائدة فيه مصاريف إدارية من خلال خبر ممن أدار المفاوضات مع الصندوق بأنهم قبلوا أن تكون النسبة مصاريف إدارية.

والذين حاولوا في الإعلام أن يجعلوا الأمر تغييرًا في المواقف من أجل أن الحكومة الحالية محسوبة على الإسلاميين لم ينتبهوا إلى أن هناك فتوى منشورة في 21 يناير 2011 أي قبل الثورة في عهد النظام السابق تتضمن نفس الكلام بعينه، ولو كان الأمر من باب السياسة لكان المقتضي بالحال أن نهاجم حكومة لا نشترك فيها ولم نستشر في قراراتها، ولكن المسألة عندنا ليست معارضة من أجل المعارضة، ولسنا نسلك سبيل من يشوهون صورة مخالفيهم بأية طريقة.

ولم يفهم البعض أيضًا اختلاف الآراء بناء على توصيف الواقع ومعرفته، فقد صرح بعض إخواننا بأن القرض ربوي لا نقبله بناء على ما بلغه من أن فائدته 16%، وهذه لا تحتمل أن تكون مصاريف إدارية، وأظنه لم يسمع ما سمعته ممن أدار المفاوضات في ذلك، فكان الواجب عليه التصريح بما علمه.

والبعض الآخر من الأفاضل قد صرح بأن القرض ربوي، ولكنه جائز للضرورة، ومع اختلافنا معه في ذلك، فكل هذا مبني على الاختلاف في معرفة الواقع وتوصيفه، وهو مما يدخل بلا شك في أمر الاجتهاد.

ونحن قد جعلنا مسئولية صحة الأمر وجوازه أو بطلانه وتحريمه مسئولية الحكومة التي اطلعت على ما تم عليه العقد بالفعل، وهل الفائدة نسبة متزايدة تتضاعف مع الوقت، أو ضم إليها ما زاد عن المصاريف الإدارية، أم أنها تقتصر عليها فقط كما بلغني.

الغرض المقصود من هذا كله ضرورة أن يكون الإعلام - بما في ذلك المواقع والمنتديات وصفحات التواصل الاجتماعي - سبيلاً إلى التفاهم والوئام وليس الطعن والعيب والهمز واللمز.

تقوى الله هي الفارق الحقيقي بين الحق والباطل وبين العدل والظلم في هذه الأزمان، فاتقوا الله.

بقي أن نقول لإخواننا مسألة؛ وهي أن البعض قد يقول: لماذا نحارب معركة ليست من شأننا، ويجعل توقي سهام المخالفين أمرًا مقصودًا لابد أن يسعى إليه كل واحد منا، في الحقيقة أن الواجب على من سئل عن أمر يعلمه أن يقول ما يعلم من الحق حتى ولو كان يهاجمه عليه المخالفون.

والقضية في مراعاة مصلحة البلاد وما يقوم به شأن الناس يقتضي منا ألا نعبأ بسهام المخالفين أو البحث عن توقي المخالفات والتهم، والله سبحانه وتعالى يدافع عن الذين آمنوا، وهو المستعان على ما يصفون.


[الفتح - العدد 44 - 31 أغسطس 2012]
اخترنا لك من الكتب